الجمعة، 28 أكتوبر 2016

عروسة البحر



قصة رعب قصيرة بعنوان ... (عروسة البحر)
 شعر بالأرق في تلك الليلة، فغادر غرفته بعد أن ألقى نظره على شريكه فيها، وحسده على راحة باله التي جعلته ينام ملء عينيه ويصدر عنه ذلك الغطيط الذي يذكرك بصوت المنشار الكهربائي وهو يشطر جذع عريض من خشب الزان ... قرر الخروج إلى سطح المنصة ليتنسم هواء الليل العليل، ويناجي القمر ويبثه شجونه، أو يجتر بعض الذكريات العذبة من الماضي ... فالوجود على متن تلك المنصة البحرية يبدل طباع المرء ويجعله أكثر رومانسية ويوقظ في باطنه ملكات التأمل ونزغات الفكر والفلسفة ...
وقف مستندا إلى ذلك السور المعدني الذي يحيط بالمنصة ويسمونه (هاندريل) ... أخذ ينظر إلى انعكاس القمر الفضي على سطح البحر الذي تلون بلون الليل فبدا ساكنا كأنه صفحة سواداء لا يشوبها إلا بعض فقاعات الهواء التي تنفسها بعض الأسماك أو المخلوقات البحرية فتجعل السطح يتوتر للحظة في بقعة دوامية صغيرة سرعان ما تستقر ويعود سطح البحر إلى سكونه ... فجأة تنبه إلى تلك الحركة الخافتة خلفه، فالتفت بسرعة ،فلمح شبحا يختفي عند الزاوية، دفعه الفضول إلى التحرك مسرعا في أثره، وعندما وصل إلى الزاوية، لمح الشبح يجري متسربلا بظلام الليل ويختفي وراء ضلع آخر من أضلاع المربع الذي يكون تلك المنشأة في الطرف الشمالي للمنصة البحرية والتي تضم غرف التحكم وبعض المكاتب الإدارية إضافة إلى المطبخ ودورات المياة ... زاد من سرعته فتناقصت المسافة بينه وبين ملاحقه، الذي غير استراتيجية هروبه فابتعد نحو منطقة البئروجاوزها حتى وصل إلى مرفأ القوارب، ونزل الدرج المعدني بسرعةـ، ثم بدأ يتحرك بخطوات حثيثه فوق الرصيف حتى وصل إلى الحافة فتوقف عندها تماما ... كان لا يزال في أثر ذلك الشبح، يدفعه الفضول وشئ آخر غامض مرتبط بهيئة ذلك الشبح وطريقة عدوه ... نزل وراءه الدرج المعدني ولاحقه على الرصيف حتى حاصره عند الحافة، فالتفت له الشبح ... وعلى أشعة الضوء الساقط من القمر الفضي تبين ملامح ذلك الشبح، فألجمته المفاجأة، فأمامه كانت تقف إمرأة على درجة هائلة من الجمال، تدثر جسدها بشعرها الذهبي الناعم الذي يمتد حتى ما دون ركبتيها، وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، ترنحت المرأة ثم سقطت من فوق الحافة لتغوص في ماء البحر ... اندفع في جزع وانحنى على الحافة وهو يبحث عن تلك المرأة التي غابت تماما في قلب البحر ... لفت نظره انعكاس لشئ ما يتحرك تحت السطح، فقرب رأسه أكثر ليدقق النظر، قبل أن ينشق سطح البحر عن ذلك الكائن الذي انقض عليه وقبض على كتفيه بكفين مخلبتين وسحبه إلى داخل الماء ... توتر السطح للحظات ثم عاد إلى السكون، وهدأ كل شئ!
***
استيقظ (سامح) من نومه بنشاط على غير عادته، نهض عن فراشه وسار إلى المطبخ بخطوات آلية ليضغط زر الغلاية الأحمر، وتوجه بعدها إلى الحمام ليغتسل ...نظر إلى وجهه في مرآة الحمام، ابتسم لهذا التناقض الغريب، ففي أيام العمل يستيقظ وكل ذرة في جسده تشكو من الألم، تدعوه كل جوارحه للعودة إلى النوم والتظاهر بأنه لا عمل ينتظره اليوم ... أما في أول أيام العطلة ها هو يستيقظ نشطا، مرتاحا، ممتلئ بالحماس والطاقة لفعل مئات الأشياء ...
خرج إلى الشرفة، وملأ صدره بهواء الصباح البكر في ذلك المكان الذي لم يطله تلوث الفقراء والعامة بعد ... فقد كان المكان حكرا على أبناء الطبقة الراقية، الراقية جدا ... ورغم كونه ينتمي إلى الفئة الأولى إلا أنه الآن يقضي عطلته هنا، في شاليه من فئة النجوم العشرة، في ذلك المجمع المسور، الذي يضم مجموعة من الشاليهات والفيلات المتفرقة بشكل يبدو عشوائيا وإن كان يحمل نمطا فنيا خاصا، تم تشيدها على تله نباتية خضراء تذكرك بسهول أوروبا، وتطل جميعها على ساحل البحر الأحمر ... مستوى من الرفاهية والرقي ماحسب يوما أنه موجود في هذا العالم، لولا صديقه الذي تعرف عليه مؤخرا واكتشف أنه ابنا لأحد كبار المسئولين، والذي عرض عليه أن يقضي عطلته في الشاليه الخاص بأسرته، فقبل بعد أن تظاهر بالتردد والإعراض، في الوقت الذي كان باطنه يشتعل من الفرحة ... لوحة فنية خاصة تصنعها زرقة البحر والسماء بألونهما المتدرجة، مع خضرة اليابسة، واللون الأصفر لرمال الشاطئ ... هو يرى كل ذلك بعين وروح فنان هاوي يعشق الرسم ويتخذ منه وسيله تعرج به دائما بعيدا عن عمله الممل الرتيب.
جلس في الشرفة يتناول إفطاره وفي يده كوب من الشاي الثقيل، وهي طريقته المعتادة لبدء يومه.
-    (هاي).
كان ذلك هو صوت فتاة شابة خرجت من الشاليه المجاور وهي ترتدي ثوبا وحذاء رياضيين وتنطلق نحوالشاطئ لممارسة رياضة الجري، أشارت له بيدها وهي تمر أمام الشاليه الخاص به، فأشار لها بدوره وهو يقلد تحيتها، قائلا:
-    (هاي)!
شعر بسخافته وهو ينطق بتلك الكلمة بصوته الخشن، المتحشرج، خاصة بعد أن جاءت بعد كلمتها التي اتصفت بالنعومة والرقة، فابتسم وهو يتحدث إلى نفسه بصوت مسموع بعد أن غابت الفتاة:
-    إذا كنت في المريخ فعليك أن تفعل مثل المريخيين.
كان يظن أنه سيكون وحده في هذا المجمع في ذلك الوقت من الشتاء، وهو ما أخبره به بالفعل رجلا الأمن المرتابين على مدخل المجمع ... ففي هذا الجو البارد يزهد أصحاب هذا المكان فيه ويتخذون من مشاتي الجنوب الدافئة ملجأ لهم ... ورغم أن تلك الفتاة الشابة تبدو في بدايات العقد الثالث من عمرها، وهذا يجعلها تصغره بعشرة سنوات، إلا أن وجود أناس آخرين في هذا المكان يكسبه روح وحيوية يفتقدهما رغم فخامته، وهذا سيجعل عطلته أفضل بالتأكيد.
أنهى إفطاره، وحمل لوحاته وألوانه وتوجه إلى الشاطئ ... اختار بقعة مميزة ثم ثبت حامل اللوحات ليكون مواجها لمنظر طبيعي يعرض صف من أشجار النخيل  ومن خلفها يمتد الشاطئ الرملي حتى يعانق ماء البحر والسماء ... مرت عليه ساعتين وقد اندمج في عمله حتى غاب فيه تماما، كان يحرك فرشاته بحرفيه على النسيج رغم كونه هاوي، حتى بدأت تتشكل الخطوط الأولية للوحة.
-    رائع ... أنت فنان إذا؟
كان ذلك هو صوت نفس الفتاة التي بادلها (الهاي) في الصباح، كانت تقف وراء ظهره تنظر إلى لوحته من فوق كتفه في فضول ... أعادته تلك الملاحظة إلى عالم الواقع، فالتفت إليها وحدق فيها بدهشة ... كان أول ما لاحظه هو أنها ترتدي ثوب سباحة قصير وقد تبلل جسدها وشعرها بماء البحر، وهذا بعث في جسده قشعريرة، فالجو كان بارد للغاية حتى أنه أرتدي (بول أوفر) ثقيل فوق القميص حتى يتقي من لسعة البرد ... قال لها بلهجة مستنكرة:
-    هل كنت تسبحين في هذا الجو؟
أشار بيده إلى البحر الذي كان موجه هائجا، مرتفعا، يضرب الشاطئ بقوة فيصدر عنه صوت عال، منذر، قادر على إخافة أشجع السباحين ... أجابته ببساطة:
-    البحر رائع ... هيا، تعال معي سنستمتع كثيرا.
تحركت ناحية البحر، وأشارته له بيدها بحماس ليلحق بها، فأجاب بسرعة:
-    في هذا البرد !؟
-    الماء دافئ ... هيا لا تكن كسولا.
أشاح لها بكلتا يديه، وهو يقول بلهجة معتذرة:
-    عذرا، لست مستعدا هذه المرة ، ربما في المرة القادمة.
ثم عاد إلى لوحته وتشاغل بها لثانيتين، وعندما لم يتلق رد من الفتاة، تحول إليها فوجدها قد اختفت تماما ... شعر بدهشة شديدة، لقد اقتربت منه في البداية دون أن يشعر بها، وها هي تختفي في ثانية دون أن يدري أين ذهبت ... هل تكون عادت إلى البحر؟ ... أخذ يبحث داخل البحر فلم يلمح لها أثرا فيه ... قال مخاطبا نفسه بصوت منخفض:
-    عجيب أمر هذه الفتاة!
***
رن جرس الهاتف بإلحاح في منزل الدكتور (محمد السيد) عالم الأحياء البحرية، فأطلق سبة قصيرة في حق هذا اللعين الذي يتصل في هذا الوقت المبكر من يوم عطلته الأسبوعية، ثم تقلب في فراشه وتصنع أنه لا يسمع ذلك الجرس، على أمل أن ييأس المتصل أو أن تنهض زوجته الدكتورة (سلمى) عالمه الآثار التي كانت تنام بجانبه في الفراش وتخاطرها الفكرة نفسها في هذه اللحظة ... توقف الرنين للحظات ثم عاد مرة أخرى أكثر إلحاحا، من الواضح أن المتصل لن ييأس!.. تنهدت الدكتورة (سلمى) وقالت بصوت متثائب:
-    (محمد) ... الهاتف ... أعرف إنك مستيقظ!
-    لا أنا نائم!
-    هيا ... قد يكون أمرا هاما.
-    كيف عرفت أنني مستيقظ؟
-    أنا زوجتك وأعرف كل حيلك.
نهض الدكتور (محمد) وهو يترنح من أثر النوم، ويتمتم بكلمات غير مفهومة ... غاب في الخارج لدقائق، ثم عاد يجري منفعلا وهو يصرخ بحماس ونشوة:
-    إنه يحدث الآن ... لقد بدأت دورتها االخمسينية!
فزعت الدكتورة (سلمى) من صراخ زوجها وانفعاله، حاولت أن تستجمع شتات ذهنها لتفهم ما يقوله فلم تستطع، فسألته:
-    من كان المتصل؟
-    إنه الشيخ (عرفان)!
-    من الشيخ (عرفان)؟
-    الشيخ (عرفان) من قرية الصيادين.
تنبهت حواسها مرة واحدة وهي تقول:
-    هل تقصد؟
-    أجل ... إنه يحدث الآن ... وهناك بالفعل حوادث اختفاء.
نهضت من فراشها وقد انتقلت حماسته وانفعاله لها وهي تقول:
-    إذا علينا أن نتحرك بسرعة وإلا ضاعت مننا الفرصة.
***
دارت الطائرة المروحية حول المنصة البحرية مرتين ثم حطت في منتصف تلك الدائرة السوداء الموجودة على سطحها، خرج منها رجل ذو جسد رياضي يرتدي حلة رمادية أنيقة، تحرك في خطوات واثقة، رغم هواء المروحيات القوي الذي كان يدفعه للأمام ويطيح بشعره وثيابه وضجيجها الذي يكاد يمزق طبلتي أذنه ... تقدم منه مستقبله الوقور الذي يرتدي (أفرول) أزرق اللون، مد يده ليصافحه، وهو يقوله:
-    المقدم (علي ناصر) ... مفتش مباحث.
-    المهندس (عبدالله عبدالقادر) مدير المحطة.
أشار له المهندس (عبدالله) بيمناه بطريقه مرحبة وأن لم تخل من القليل من العصبية، واصطحبه إلى غرفة مكتبه، وأجلسه على مقعد وثير وجلس هو على المقعد الذي يقابله في إشارة مرحبه أخرى بعيدا عن مكتبه الخشبي الأنيق وطاوله الاجتماعات المعدنية الصغيرة التي اكتظت بالخرائط واللوحات ... وقال:
-    ماذا أطلب لك؟ شاي ... قهوة؟
قال المفتش (علي) بلهجة عملية:
-    لا شئ ... سيكون أفضل أن نبدء التحقيقات فورا.
أومأ المهندس (عبدالله) برأسه متفهما، وهو يقول:
-    معك حق ... فاختفاء ثلاثة من العاملين على منصة لاستخراج البترول في وسط البحر في أسبوع واحد ... ليست شيئا هينا.
-    بالضبط.
صمت للحظة، ثم قال بلهجة حزينة:
-    اعتقد أنهم يفكرون في إيقاف العمليات لحين التأكد من عدم وجود خطر على باقي أفراد الفريق، ولكنهم يرجئون اتخاذ القرار لحين انتهاء التحقيقات.
وقف المفتش (علي) وتحرك ناحية النافذة الدائرية، وأخذ ينظر عبر زجاجها إلى البحر الممتد أمامه إلى مالا نهاية، قبل أن يقول:
-    لهذا أريد أن استفيد من كل ثانية ... أريد مقابلة زملاء المفقودين والمقربين منهم، أريد مقابلة كل من شاهد شيئا أو يملك دليل ... أريد ذلك فورا.
ساعات طويلة قضاها المفتش (علي) بحضور المهندس (عبدالله) في التحقيق مع أفراد الفريق وحصر أقوالهم، وكانت النتيجة مخيبة للأمال، فالمعلومات التي حصل عليها منهم لم تزد كثيرا عما أخبره به رئيسه، وهو يطلب منه التوجه إلى تلك المنصة للتحقيق في الأمر ... قال المفتش (علي) وهو ينظر إلى المهندس(عبدالله)، رغم أنه كان يخاطب نفسه في تلك اللحظات:
-    يمكننا أن نلخص الأحداث كما يلي ... أول حادثة اختفاء كانت لأحد المهندسين، وحدثت منذ أسبوع تقريبا، أما الثانية والثالثة فكانت لعاملي صيانة، بفارق يومين بين كل حادثة والتي تليها ... لا يوجد أي آثار، لا يوجد شبهة لعمل إجرامي فجميعهم كانوا محبوبين بين رفقائهم ولا يوجد خلاف بينهم وبين آخرين ... معلومة واحدة جديدة أضافها أحد أفراد فريق العمل، الذي تصادف وجوده على سطح المنصة في الليلة التي اختفى فيها العامل الثالث، هي أنه سمع صرخة من ناحية مرفأ القوارب وصوت سقوط في الماء وعندما ذهب ليستطلع الأمر لم يجد مايريب، حتى عرف في اليوم التالي باختفاء زميله ...
زفر المفتش (علي) بضيق، وقال موجها حديثه إلى المهندس (عبدالله) في هذه المرة بالفعل:
-    هل هناك المزيد من الشهود؟
-    هناك واحد أخير ... ولكن ...
-    ولكن ماذا؟
صمت للحظة ثم قال:
-    ولكنه على شئ من الخبال ... لا يحمل أحد منا رواياته على محمل الجد ... بل نعتبرها حواديت وقصص، نسخر منها ونزجي بها الوقت.
-    وما هو عمله؟
-    إنه كبير الطهاة لدينا هنا، وهو شخص محبوب ومجيد لعمله ... كما أنه من أهل هذه المنطقة، فقريته هي أقرب قرية ساحلية من موقعنا هذا ...
-    حسنا، اجعله يدخل.
تحرك المهندس (عبدالله) نحو باب الغرفة وفتحه وأشار بيده للواقف في الخارج بالدخول ... دخل الغرفة رجل مسن يحمل ملامح مريحة وشعرا بلون القطن، يرتدي ملابس الطهاة ويسير بخطوات بها عرجة خفيفة ... عندما وقع بصره على المفتش بادره قائلا:
-    أنا أعرف ماذا حدث لهم.
ابتسم المفتش (علي) وهو يتذكر وصف المهندس (عبدالله) لهذا الرجل بالخبال، قبل أن يقول:
-    وماذا حدث؟
-    خطفتهم عروسة البحر ... مساكين ... لقد أغوتهم اللعينة، ثم أغرقتهم في ماء البحر عندما حاولوا اللحاق بها.
.. (انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني) .. 
قصة رعب قصيرة بعنوان ... (عروسة البحر – الجزء الثاني)
أشار له المفتش (علي) بالجلوس، ثم سأله:
-    دعني أعرف اسمك وعملك أولا.
-    الشيف (عيد بكر)، كبير الطهاة.
-    وهل لديك دليل على ما تقول؟
توقف الرجل وهو ينقل ناظريه بين المفتش (علي) والمهندس (عبدالله)، قبل أن يقول بصوت هادئ:
-    يابني، أنا من سكان قرية الصيادين وهي تبعد خمسة أميال فقط عن موقعنا هذا، وأهل القرية جميعهم يعرفون من هي عروسة البحر.
سأله المفتش (علي) ببساطة:
-    من هي؟
حدق الرجل فيه وجهه للحظة، ثم قال:
-    لا أعرف متى بدأت تلك القصة، ربما من مئات السنين وربما أكثر من ذلك، ربما بدأت من عصر الفراعنة، ولكنها قصة حكاها لنا الأجداد الذين شهد بعضهم على أحداثها، وننقلها بدورنا إلى أحفادنا، وهكذا في دورة لا تنتهي.
توقف الرجل للحظة ليلتقط أنفاسه، فحثه المهندس (عبدالله) على الاسترسال بحركة عصبية من يده، فشعر الرجل بتوتر، فطمئنة المفتش (علي):
-    لا يوجد مشكلة، يمكنك أن تأخذ كل الوقت الذي تحتاجه.
-    عروسة البحر هي مخلوق يعيش في أعمق أعماق البحر، حيث لا يمكن للبشر أو لأي شئ صنعه البشر أن يصل ... المشكلة هي أنها تصعد للسطح مرة واحدة فقط كل خمسين عام، تقوم فيها بالصيد لمدة أسبوعين، ما بين اكتمال القمر في السماء وحتى اختفاءه ...
-    وماذا تصطاد؟
أجاب الرجل بانفعال شديد:
-    الرجال.
ثم أردف بنفس العصبية:
-    إنها تصطاد الرجال وبخاصة الشباب ... فهي تظهر لهم على الشاطئ في صورة أمرأة فاتنة، فتغويهم وتدعوهم للنزول معها إلى الماء، عندها تتحول إلى حقيقتها كوحش مرعب متعطش للدماء، فتسحبهم معها إلى تحت الماء وتغرقهم.
قال المهندس (عبدالله) في عدم اقتناع:
-    وماذا ستفعل بهم بعد ذلك؟
-    لا أحد يعلم ... في الواقع لم يعد أحد منهم أبدا ليحكي ما حدث ... قد يعثرون فقط على بعض ثيابه أو متعلقاته، أما صاحبهما فلا يعثرون عليه أبدا، ولا على جثته.
سأله المفتش (علي):
-    وهل شهدت على بعض تلك الأحداث بنفسك؟
-    أجل ... كنت حينها مراهقا شابا عندما منعني والدي من الذهاب للبحر وطالبني بالبقاء  في المنزل لأسبوعين ... وسمعته يتحدث لأمي عن اختفاء أحد الصيادين، وعن أنهم سمعوا صوتها يأتي من داخل البحر.
-    وهل حاولتم مطاردتها؟
-    لا ... علمنا الأجداد أن نبقى في بيوتنا حتى يختفي القمر في السماء، فلا نخرج منها بعد الغروب ولا نقترب من الشاطئ حتى تنتهي الأزمة وتعود اللعينة من حيث جاءت.
توقف للحظة كأنه يتذكر شيئا، ثم قال:
-    البعض كان يدعي أنها قادرة على الخروج من البحر والابتعاد عنه لمسافات طويلة والسير بين الناس في القرى والأسواق، فكان الرجال يرونها كإمرأة فاتنة، أما النساء فكانت لديهن مناعة، كن يرونها قبيحة كأنثى القرد ... ولكن لا يوجد ما يؤكد ذلك!
انتهى الرجل من روايته، فتوقف عن الحديث وهو يلهث من فرط الانفعال، ويترقب رد فعل المفتش (علي) على روايته ... نهض المفتش من مقعده وأخذ يسير في الغرفة مفكرا، قبل أن يسأل الرجل:
-    وما الذي يجعلك تظن أنها عادت الآن؟
أجاب الرجل بسرعة، كأنه كان ينتظر هذا السؤال:
-    لقد سمعتها ... سمعت صوتها أكثر من مرة هنا على المنصة في الليالي الفائتة!
***
كان (سامح) يجلس على الأريكة ممددا قدميه على الطاولة أمامه، وهو يتابع بعض البرامج المملة على التلفاز في انتظار أن يسخن طعام العشاء الذي وضعه على الموقد، أخذ يضغط أزرار (الريموت) في ملل ليتنقل بين القنوات دون أن يجد ما يجذب انتباهه ... فجأة وصل إلى مسامعه صوت يأتي من ناحية الحديقة، صوت خطوات خافتة، كأن صاحبها يحاول التسلل إلى المكان ... نهض (سامح) وتحرك بحذر حتى وصل إلى باب الشاليه ووقف خلفه ينصت للحظات، كان الصوت قد توقف تماما، فتح الباب مرة واحدة فلم يجد أحدا، بحث في الشرفة وجال بنظره في الحديقة للحظات ثم قرر العودة إلى الشاليه، وطأت قدمه بقعة كبيرة من الماء كانت تغرق ملاط الشرفة، فتنبه إلى أنه لم يكن يرتدي في قدميه إلا الجورب الذي ابتل تماما، قفز بعيدا عن بقعة الماء وهو يتمتم:
-    اللعنة ... من أين جاء هذا الماء؟
خلع الجورب وألقاه في حوض الغسيل وتوجه إلى المطبخ ليتأكد أن الطعام العشاء لم يحترق بعد ... بالتأكيد يحتاج هذا البرد إلى حساء ساخن، من حسن حظه أنه يعشق الحساء ويجيد صنعه بمائة طريقة مختلفة، سيكون حساء الدجاج هو الخيار الأفضل في هذه الليلة الباردة ، أخذ يقلب الحساء في الآنية ويضيف إليه القليل من التوابل والملح، ويتذوق، ثم يثني على براعته ... فكر أنه يحتاج الآن إلى جلب بعض الخبز لتسخينه، لقد ترك كيس الخبز هناك على ذلك النضد الموجود أسفل الشباك الذي يطل على الحديقة الخلفية ... الشباك الذي تقف تلك المرأة خارجه، تتابعه عبر زجاجه الشفاف بنظرات غريبة ... وقع نظره عليها أثناء عودته بعد أن التقط الكيس، لم ينتبه في البداية، وعندما تنبه وارتد إليها كانت قد اختفت، ألقى كيس الخبز وانطلق إلى الخارج، ولم ينس أن ينتعل حذاءه في الطريق، دار حول الشاليه وبحث عن تلك المرأة في الحديقة الخلفية ولكن دون جدوى، تنهد وهو يقول:
-    ما هذا العبث؟
حاول أن يتذكر ملامح تلك المرأة ولكنه لم ينجح، كل مايذكره أنها امرأة، وهناك شئ غريب وغامض بخصوص نظراتها ... جال بخاطره أنها قد تكون تلك الفتاة العابثة التي رآها في الصباح، وشعر أنها تحاول التلاعب به، فقرر أن يتوجه إلى الشاليه المجاور الخاص بها ويعاتيها، ولو وجد أحدا من أهلها سيعاتبه أيضا ولكن بلهجة رقيقة، مهذبة، فمن يدري فقد يكون أباها وزريرا أو أمها سفيرة! ... وصل إلى الشاليه فكان النور مغلقا ولا يوجد أي أثر لقاطنيه، عبر الحديقة حتى وصل إلى الباب الداخلي ففاجآه وجود قفل خارجي على الباب ... لاحظ أيضا أن الشرفة والممر في الحديقة يغطيهما الغبار، شعر بالدهشة، فمن الواضح أن هذا الشاليه خال منذ شهور ... هو ظن أنه رأى تلك الفتاة تخرج من هذا الشاليه في الصباح، من الواضح أنه مخطأ، بالتأكيد هي تقطن في مكان آخر وهو اختلط عليه الأمر كعادته ... تحرك عائدا إلى الشاليه الخاص به، وما أن دخل الحديقة حتى شعر بحركة خلفه، فالتفت بسرعة ...
***
قضى المفتش (علي) يومه في إجراء المزيد من التحقيقات، قام بتفتيش غرف المختفين وبحث في متعلقاتهم، أعاد استجواب بعض الشهود، أخذ يراجع بعض التقارير التي أرسلت إليه (بالفاكس) والتي جمعها المخبرون من أهل المختفين وجيرانهم في مناطق سكنهم، حتى حل المساء، فقاده المهندس (عبدالله) بعد تناول العشاء إلى غرفته في طوف الإعاشة الملحق بالمنصة البحرية والمتصل بها عن طريق جسر معدني قصير، والذي به أماكن النوم والإقامة ... طلب منه المهندس (عبدالله) أن يرتاح حتى الصباح فقد كان يومه مرهقا، ولكن كعادته عندما يعمل على جريمة غامضة كان النوم أو الراحة غايتان يصعب تحقيقهما، لذا جلس على الفراش وأخرج رزمة من الأوراق،  وأخذ يخط عليها بقلم من الرصاص بعض الكلمات والملاحظات التي أثارت انتباهه اليوم، ويوصل بينها بخطوط رأسية وأفقية وأسهم ويحد بعضها بالدوائر أو يظلل تحتها، كانت تلك هي طريقته في التفكير والتحليل ...
كانت الليلة قد اقتربت من الانتصاف عندما قرر الصعود إلى سطح المنصة ... كان الجو شديد البرودة، والقمر هلاله نحيل يكاد لا يضئ المكان، وكانت الريح قوية، صاخبة، تدفع الماء ليصطدم بأعمدة المنصة بصوت هادر، أخبره المهندس (عبدالله) أن سرعة الرياح في تلك المنطقة تصل إلى ثلاثين عقدة، وهي ريح قادرة على أن تطيح بالمعدات وبالبشر ... فكر أنه سيكون من الأفضل له أن يعود لغرفته الآن بدلا من أن يصاب بنوبة برد أو تتجمد أطرافه أو يجد نفسه في وسط البحر بعد أن تطيح به الرياح ... فجأة وصل إلى مسامعه ذلك النحيب ... في البداية ظن أنه صوت صفير الرياح، ولكنه استطاع تمييز صوت البكاء والنحيب بوضوح مختلطا به ... كان الصوت لإمرأة تبكي وتنتحب في مرارة، وكان الصوت يعلو وينخفض ويهتز تردده مع الريح ... شعر بالتوتر وبالقشعريرة الباردة تسري على عمودة الفقري وأطرافه ... أفكار كثيرة تصطرع داخل عقله الآن، قبل أن تسيطر عليه فكرة واحدة، نطق بها لنفسه بصوت منخفض:
-    من أين يأتي صوت تلك المرأة النائحة على منصة بحرية في وسط البحر يعمل عليها الرجال؟ ... الرجال فقط!
دفع التوتر والأفكار جانبا ... تحسس بأصابعه المسدس المعلق في صديريته الجلديه، شعر بالقليل من الاطمئنان، ثم بدأ يلاحق مصدر الصوت ... لم تكن المهمة سهلة فهو ليس خبيرا بتلك المنصة البحرية وممراتها المتشابكة ... كان يسير في الطريق الذي يقربه من الصوت قبل أن يجده مغلقا، فيضطر إلى العودة بحثا عن طريق آخر ... في النهاية قادته قدماه وأذناه حتى مرفأ القوارب، وأدرك أنه في الطريق الصحيح فقد كان الصوت قريبا للغاية، وكأن صاحبته تنتظر على رصيف المرفأ ... بدأ يهبط الدرج المعدني عندما قبضت تلك اليد الخشنة على كتفه ...
-    لا تذهب يابني.
كان ذلك هو كبير الطهاة العجوز، قبل أن يردف:
-    إنها هي ... هذا صوتها!
-    كنت أظن أن صوتها هو الغناء العذب الذي يغوي الصيادين، هكذا كنا نسمع في قصص الأطفال.
-    لا ... صوتها هو صوت النحيب والبكاء، هكذا علمنا أجدادنا ... لا شئ يغوي الرجل ويدفعه للاقتراب أكثر من بكاء امرأة.
أومأ المفتش (علي) برأسه متفهما، ثم أزاح يده الممسكة بكتفه بهدوء، وهو يهبط الدرج ويقول:
-    إذا دعنا نرى شكلها.
حاول كبير الطهاة العجوز حثه على البقاء ولكنه لم يفلح، فاضطر إلى ملاحقته ... كان الصوت قد انقطع، أخرج المفتش (علي) مسدسه وأخذ يصوبه يمينا ويسارا وهو يفحص الرصيف والقوارب المرتبطة به، قبل أن يقول:
-    لا شئ.
أجابه الطاهي العجوز وهو يزفر بارتياح:
-    لقد رحلت.
ثم أشار إلى القمر، وهو يردف:
-    ليلة الغد هي ليلتها الأخيرة، لن يكون علينا أن نقلق بشأنها من جديد إلا بعد خمسين عاما أخرى.
كان المفتش (علي) عائدا إلى غرفته عندما دق جرس هاتفه المحمول، فاستمع إلى محدثه للحظات ثم قال بفضول:
-    أين وجدوها؟
استمع للحظات أخرى، ثم قال بحسم:
-    حسنا، سانتقل غدا صباحا إلى هناك لمتابعة الأمر.
***
عندما شعر (سامح) بحركة خلفه، التفت بسرعة، ففزع للحظة عندما رأى أحد رجلي الأمن المرتابين اللذان قابلاه على مدخل المجمع، ولكنه تماسك بسرعة وهو يقول بلهجة حازمة:
-    خير ... ماذا تريد؟
بدت نظرة حيرة على عيني رجل الأمن وهو يقول:
-    هل رأيت زميلي؟
-    لا.
زفر رجل الأمن بإحباط، ثم استدار ليرحل، فاستوقفه (سامح)، وهو يقول:
-    هل هناك ما يسوء؟
-    أجل ... زميلي ذهب في جولة روتينية بالأمس في المجمع، ولم يعد بعدها، ولم يأت أيضا في الصباح ... وسألت أهله عنه فلم يعرف أحد منهم طريقه.
حاول (سامح) طمأنته وهو يقول:
-    لا تقلق ... بالتأكيد سيظهر في أقرب وقت ... الغائب حجته معه.
أومأ رجل الأمن برأسه، فوجدها (سامح) فرصة مناسبة فسأله:
-    أريد أن أسألك عن فتاة من سكان هذه الشاليهات، فتاة شابة نشطة في العشرينات.
أجاب الرجل ببساطة:
-    لا يوجد أي فتاة في المجمع في هذه الفترة.
ثم أشار إلى الشاليه، وهو يردف:
-    أنت القاطن الوحيد فيه الآن.
.. (انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث) ..


قصة رعب قصيرة بعنوان ... (عروسة البحر – الجزء الثالث)
ما لا يعرفه (سامح) أنه في الليلة الماضية بعد وصوله، أخذ رجلا الأمن المرتابين يتحدثان عن تلك الأشكال الغريبة التي أصبحت تزور المجمع في الفترة الأخيرة، وأنه لو استمر أصحاب الشاليهات في التساهل مع تلك الفئة من البشر والسماح لهم بالإقامة فيه سيتحول إلى (جمصة) أو (بلطيم) في غضون سنوات، ورغم أنهما ينتميان إلى نفس الفئة التي يتحدثان  عنها بالسوء إلا أن ذلك لم يمنعهما من إبداء ذلك الامتعاض، وكأن عملهما ليس في حراسة المجمع ولكن في حراسة ذلك الخط الحائل بين العامة وبين طبقة المنعمين في بحور الثراء والرفاهية ... حتى أن أحدهما أعاد الاتصال بمالك الشاليه للتأكد مرة أخرى من موافقته (لسامح) على الإقامة فيه، وعندما أجابه المالك بالموافقة، طلب منه أن يصف له ملامح (سامح) وأوصافه وكأنه يتمنى أن يكون ذلك الذي دخل المجمع منذ دقائق هو شخصا آخر ينتحل شخصيا (سامح)، حينها يمكنه أن يقبض عليه ويطرده خارج جنة المجمع، وفي النهاية عندما تيقن من أن (سامح) هو (سامح)، أعلن لصاحبه في ضيق أنه ذاهب في جولة تفحصية.
قادته قدماه بالطبع إلى الشاليه الذي يقيم فيه (سامح) والذي كانت أنواره مطفأة، يبدو أن قاطنه قد أفرغ حقائبه ونام بعدها مباشرة متأثرا بإرهاق السفر ... فجأة لفت انتباهه حركة في الحديقة، بالفعل هناك شخص في الحديقة يتحرك حركات مريبة، يقترب من خصاص الأبواب ومن زجاج النوافذ الشفافة وينظر منها إلى داخل الشاليه ... اقترب رجل الأمن أكثر وتربص وراء بعض الشجيرات منتظرا اللحظة المناسبة للهجوم على ذلك المتلصص الذي تبين أنه امرأة على درجة عالية من الجمال.
توقفت تلك المرأة للحظة وأخذت تنظر حولها وتتشمم الهواء، ثم ثبتت ناظريها على تلك الشجيرات التي يختفي وراءها رجل الأمن، ثم بدأت تتوجه إليها ... وعندما أصبحت في مواجهته أشارت له ليخرج، فخرج من وراء الشجيرات وقد اتسعت عيناه من جمال تلك المرأة وفتنتها، قبل أن يقول بصوت متلعثم:
-    من ... من أنت؟
لم ترد المرأة ولكنها تجاوزته وهي تمضي ناحية الشاطئ بدلال ... ملأ أنفه أريج غامض، جذاب ينبعث منها، فوجد نفسه يسير وراءها كالمسحور.
***
بعد المكالمة الهاتفية التي تلقاها المفتش (علي) بالأمس، توجه إلى نقطة شرطة قرية الصيادين فاستقبله الظابط الشاب مرحبا، وأخذ يتبادل معه بعض الأحاديث الودية، وطلب من العامل جلب كوبين من الشاي، ثم توجه إليه قائلا:
-    لم أتصور كل هذا الاهتمام من القيادة عندما أرسلت لإجراء بعض التحريات الروتينية عن المهندس صاحب الحافظة الجلدية التي عثرنا عليها.
-    إنها قضية حساسة للغاية.
-    هذا ماتوقعته عندما أخبروني بحضورك اليوم.
رشف المفتش (علي) رشفة من كوب الشاي، ثم وضعه فوق الصفحة على الطاولة أمامه، وهو يقول:
-    أين وجدتم تلك الحافظة؟ وهل وجدتم معها أي متعلقات أخرى للمهندس أو لغيره؟
-    وجدها أحد الصيادين بعد أن ألقاها البحر على الشاطئ، وبعد أن أتلفت مياة البحر كل الأوراق التي كانت فيها، ما عد بعض البطاقات البلاستيكية، ومنها بطاقة الرقم القومي خاصته.
توقف للحظة، ثم أردف:
-    لم نجد معها أي متعلقات أخرى، ومن الواضح أن صاحبها لم يفقدها بسبب السرقة، فقد كانت ممتلئة بأوراق نقدية تحولت إلى عجين بسبب ماء البحر.
ناوله الحافظة الجلدية، وهو يقول:
-    بالطبع لم نحاول أن نستخرج أي بصمات من عليها ... أنت ترى حالتها.
التقطها منه المفتش (علي)، وأخذ يتفحصها بدقة، ثم ألقاها أمامه وهو يفكر ... إذا كان المهندس غرق عند المنصة البحرية، فهل من الطبيعي أن تظهر حافظته الجلدية على الشاطئ على مسافة خمسة أميال كاملة؟ ... احترم الضابط الشاب صمته ولم يحاول مقاطعة تفكيره، حتى قال المفتش (علي):
-    هل يمكنني مقابلة هذا الصياد؟
-    لا يوجد مشكلة، هو في الخارج من الصباح الباكر ... توقعت أن تطلب مقابلته.
ضغط على زر جانبي، فدخل الجندي الذي كان يقف أمام الباب، وأدى التحية العسكري، فبادره:
-    أدخل عم (منصور).
دخل الرجل الغرفة بقدمين مرتعشتين، ووجه يشبه وجه فأر وقع في المصيدة ... من الواضح أنه يشعر بندم شديد على أمانته وتسليمه للحافظة الجلدية التي عثر عليها إلى نقطه الشرطة، لو عاد به الزمن لتجاهل وجودها تماما أو دسها في التراب ليقي نفسه وغيره شرها ... لاحظ المفتش (علي) ذعر الرجل فحاول طمأنته وهو يقول:
-    لا تقلق يا عم (منصور)، سأسألك سؤال واحد وبعده يمكنك أن تذهب إلى دارك.
-    تفضل يا (باشا).
-    أين وجدت تلك الحافظة؟ ... بالضبط.
تزايد ذعر الرجل وهو ينظر إلى الضابط الشاب بطرف عينه، فأومأ له برأسه ليتكلم، فقال:
-    لقد وجدتها على أطراف المجمع السياحي المجاور للقرية.
حدقه الضابط الشاب بنظرة مستنكرة، فقال الرجل بلهجة معتذرة وصوت مرتعش:
-    أعرف أنه غير مصرح لي بالصيد أو الذهاب هناك ... ولكن السمك لا يعرف ذلك ويصر دائما على التواجد في تلك المنطقة وبكثرة.
ابتسم المفتش (علي)، على تعليق الرجل المذعور الذي خلطه بدعابه في محاولة لتخفيف وطأة فعلته لدى الضابط ... فقال:
-    لا يوجد مشكلة هذه المرة ... يمكنك أن ترحل ياعم (منصور).
ثم التفت إلى الضابط الشاب وهو يلتقط الحافظة الجلدية من أمامه، وينهض عن مقعده، وهو يقول له بجدية:
-    أريدك أن ترسل معي من يدلني على مكان ذلك المجمع.
-    تمام يا (أفندم).
***
-    (هاي).
-    أنت مرة أخرى ... توقفي أريد أن أتحدث إليك.
كانت الفتاة الشابة تخرج من الشاليه المجاور في طريقها لممارسة رياضة الجري كعادتها كل صباح وألقت التحية على (سامح)، فاستوقفها هذا الأخير ... اقتربت منه بخطوات نشيطة، فبادرها قائلا:
-    من أنت؟
قالت ببساطة:
-    أنا (حسناء).
نظر إلى ذلك الجمال والحسن الطفولي على وجهها، ثم قال:
-    أعرف ... ولكن ما اسمك؟
ابتسمت برقة وهي تقول:
-    (حسناء) ... اسمي (حسناء).
أومأ برأسه متفهما:
-    من أين أتيت؟
وقبل أن ترد أشار لها بيده محذرا، وهو يردف:
-    ولا تكذبي علي، فأنت لا تقطنين في الشاليه المجاور، بل أنت لا تقطنين في هذا المجمع من الأساس ... من أين أتيت؟
ابتسمت ابتسامة عريضة:
-    أنا لا أقطن في الشاليه المجاور بالفعل، أنا فقط أمر من حديقته أثناء الجري.
-    إذا أين تقطنين؟
أشارت بسبابتها ناحية البحر، وهي تزوغ منه وتبتعد لمواصلة رياضة الجري، فصرخ عليها:
-    ولكني أريد أن أعرف.
-    عندما نتقابل في المرة القادمة ... ستعرف
-    وأين أجدك؟
-    قابلني عند (البرجولة).
***
توقف ذلك المركب على مسافة ميل واحد من الشاطئ وألقى مرساته ... أخذ الموج يتلاعب به يمينا ويسارا كأنه دمية صغيرة ... لم يكن مركبا ضخما مثل تلك اليخوت الفخمة التي يملكها الأثرياء  ويتخذون منها مكان للهو ووسيلة للسفر وللاحتفالات الصاخبة ... كان مركب أبحاث صغير بمحرك ديزل بسيط ونظام شراعي للملاحة الطويلة ... فيه مكان يصلح لمبيت أسرة صغيرة، إضافة إلى غرفة مجهزة بالآلات الحديثة والحواسيب وأجهزة (السونار) والاتصالات وأجهزة الأقمار الصناعية ...  عكف الدكتور (محمد السيد) على تلك الأجهزة يسجل منها بعض القراءات والأرقام ويمليها على الدكتورة (سلمى) فتسجلها بعلامات على الخريطة المفرودة على طاولة في منتصف الغرفة، قال الدكتور (محمد):
-    هذه آخر قراءة.
ثم اقترب منها وهو ينظر معها إلى العلامات التي وضعت على الخريطة، فقالت له وهي تشير بسبابتها إلى على الخريطة:
-    هذه هي المنصة البحرية التي حدثت فيها معظم حوادث الاختفاء، وهذه هي الأماكن التي سمع فيها بعض الصيادين صوتها، وهذه هي الأماكن التي عثرنا فيها على بعض آثارها.
توقفت لحظة وهي ترسم دائرة على الخريطة، وهي تردف:
-    إنها تتحرك في دائرة قطرها خمسة أميال.
أشار الدكتور (محمد) إلى نقطتين على الخريطة:
-    منطقة عملياتها تتركز مابين المنصة البحرية، وقرية الصيادين.
وافقته الدكتورة (سلمى) وهي تضيف:
-    وذلك المجمع الصغير الذي يجاور قرية الصيادين.
ثم تحركت ناحية براد صغير في ركن من الغرفة، وجلبت منه زجاجتي عصير، ألقت بواحدة منهما إليه وهي تلقي بنفسها على الأريكة، وهي تقول:
-    نحن قريبان من نجاح علمي غير مسبوق.
أومأ برأسه وهو يقول:
-    بالفعل ... ولكن إذا كانت أسطورة الصيادين صحيحة فعلينا أن نصل بسرعة، وإلا سيكون علينا أن ننتظر خمسين عاما أخرى.
ألقى بنفسه على الأريكة إلى جوارها، فقالت له:
-    خمسون عاما، ستمر سريعا وأنت معي يازوجي الحبيب.
ابتسم وهو يداعب كفها بين أصابعه، وعقله منشغل بشئ آخر ... شئ يأتي من أعماق البحر، شئ أقرب للأسطورة منه للحقيقة ... فجأة انبعث ذلك الطنين المتقطع من جهاز السونار، فقز الدكتور (محمد) إلى الجهاز ولحقت به الدكتورة (سلمى)، قبل أن يقول الأول وهو يحدق في الجهاز بظفر:
-    إنها هي.
-    قد يكون قرش أو (دولفين).
-    من الوارد ... ولكن نمط الحركة وسرعتها يختلفان.
-    أين تتجه؟
حدق في الجهاز لثانية، ثم نظر إليها وقد اتسعت حدقتاه:
-    إنها تقترب منا.
صرخت فيه وهي تتحرك بسرعة:
-    إطفئ النور، واجلب الكاميرا، وبندقية التخدير.
مرت عليهما لحظات من التوتر والترقب، كانا يراقبان فيها ذلك المخلوق وهو يقترب من المركب حتى أصبح تحتها تماما كما يشير جهاز السونار ... تحولا إلى نافذة الغرفة الزجاجية ووقفا يراقبان في ظلامها سطح المركب، لحظات أخرى حتى ظهرت تلك المرأة وهي تصعد السلم الجانبي، قبل أن تتوقف فوق السطح تتشمم الهواء وتنظر حولها، قال الدكتور (محمد) بصوت متهدج:
-    إنها جميلة جدا!
نظرت له الدكتور (سلمى) باستنكار:
-    جميلة!!... إنها قبيحة كالشياطين!
تكورت تلك المرأة على نفسها في عند سور المركب، ثم أخذت تنتحب وتبكي بصوت يمزق نياط القلوب ... همست الدكتورة (سلمى) وهي تتحرك للخارج وفي يدها الكاميرا:
-    هيا بنا إنها فرصتنا، ستطلق أنت أسهم التخدير وسأصورها أنا.
خرجت من الغرفة وتوجهت بخطوات متحسبة، قبل أن تتوقف على بعد خطوات، وهي تهمس:
-    هي أطلق أسهم التخدير.
لم تتلق إجابة من زوجها، فكررتها مرتين قبل أن تنتبه إلى أن زوجها قد تجاوزها وهو يقترب من تلك المرأة المنتحبة وهو يسير بخطوات ميكانيكية كالزومبي، ودون أن يكون في يده بندقية التخدير من الأساس ... صرخت فيه الدكتورة (سلمى) صرحة مدوية:
-    حذار!
ثم ضغطت زر الكاميرا فلمع الفلاش وأضاء الليل المظلم، وفي لحظة واحدة انتصبت تلك المرأة المنتحبة وقفزت في الماء وسبحت بعيدا بسرعة كبيرة ...
.. (انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع والأخير) ..
 

قصة رعب قصيرة بعنوان ... (عروسة البحر – الجزء الرابع والأخير)
مشاعر غريبة حركتها تلك الفتاة (حسناء) في باطن (سامح)، بحيويتها، وروحها الساخرة، وغموضها ... لقد ظن بعد تلك الحادثة الأليمة التي فقد فيها حبيبة عمره قبل أيام من زواجهما أنه لن يكون قادرا على استعادة تلك المشاعر مرة أخرى ... صار جافا، حاد في التعامل مع كل النساء، وكأنه يحملهن مسئولية ذهاب حبيته وبقائهن... اقتصرت حياته في السنوات الأخيرة على عمله وهوايته فقط واتخذ منهما وسيلة تنسيه ماحدث، وكلما عاودته تلك الذكرى الأليمة انغمس فيهما أكثر وأكثر ...  فماذا يحدث له الآن!؟ ما الذي تغير!؟ ... دفع تلك المشاعر جانبا، وأقنع نفسه أن مشاعره نحوها يحركها الفضول فقط ورغبته في معرفة السر الذي وراءها... حسم أمره أخيرا وقرر الذهاب إلى الشاطئ بحثا عنها في ذلك المكان الذي طلبت منه أن يقابلها عنده ... تمتم مخاطبا نفسه بصوت خفيض:
-    ماذا كان اسم المكان؟ جلجولة... لا ...  أعتقد بلجولة ... سأستشير (جوجل).
أخذ يعبث بأزرار الهاتف للحظات قبل أن تتسع سريرته وهو يقول:
-    (برجولة) ... إنها (برجولة) ... إنها تلك (العشة) الخشبية التي يجلسون داخلها على الشاطئ ... لقد تغيرت المصطلحات كثيرا في السنوات الماضية.
وصل إلى المكان وثبت حامل اللوحات وبدأ يكمل رسمته الأولى، قبل أن يزفر بضيق فيرفع اللوحة من على الحامل ويضع واحدة أخرى بيضاء، وبدء يخط عليه بفرشته رسما جديدا ... انتصف النهار وكانت ملامح اللوحة قد اتضحت ... إنها تحمل وجه (حسناء) الطفولي وابتسامتها الرقيقة، العذبة ... نظر للوحة في دهشة وكأن شخصا آخر هو الذي رسمها وليس هو، تلفت حوله في قلق خوفا من أن يرى أحد آخر تلك الصورة، ثم رفعها وأخفاها في دفتره ... قضى نصف ساعة أخرى ثم قرر العودة إلى الشاليه.
***
دقات قوية على باب الشاليه أفزعت (سامح) وجعلته يهرع نحو الباب ويفتحه، فطالعه وجه رجل الأمن الذي تحدث إليه بالأمس وهو يقول:
-    الباشا (عايزك)؟
ومن خلفه ظهر رجل أنيق يرتدي حلة رمادية، وتبدو عيه ملامح قوة الشخصية، وإن بدا على عينيه الكثير من الأرهاق، أردف رجل الأمن بلهجة متشفية وكأنه لسان حال يقول (أي مصيبة فعلت أيها المجرم):
-    الباشا ... مباحث.
رد (سامح) بسرعة، وهو يوجه حديثه إلى المفتش:
-    تفضل.
دخل الرجل وجلس على المقعد وهو يفحص المكان بعينيه، قبل أن يخاطب رجل الأمن:
-    يمكنك أن تذهب ... أعرف طريق العودة.
ثم توجه إلى (سامح) قائلا:
-    المقدم (علي) ... مفتش مباحث.
رد عليه بصوت ضعيف، متخاذل، يخرج من أغوار عميقة:
-    (سامح) ... صاحب صاحب الشاليه.
ابتسم المفتش (علي):
-    هل تسمح لي ببضعة دقائق من وقتك ...
-    تحت أمرك.
-    كنت أريد أن أسألك، هل شعرت بأي شئ مريب مؤخرا في الجوار؟
أخذ (سامح) يفكر للحظات، وهو يرسم على وجهه علامات الاجتهاد في التفكير، كان أكثر شئ مريب حدث له في الأيام الأخيرة هي زيارة هذا الرجل ...ولكنه يجب أن يجد إجابة ترضيه، فهو لا يريد أن يغضبه أو يثير حفيظته، يجب أن أبحث عن شئ مريب، ليقوله:
-    هناك شيئان مريبان لاحظتهما.
بدا على وجه المفتش (علي) الاهتمام وهو يقول:
-    ما هما؟
-    الأول هو اختفاء رجل الأمن ... زميل هذا الذي كان معك منذ لحظات.
-    وهل اختفى؟
-    هو أخبرني ذلك بالأمس.
أخذ المفتش (علي) يفكر للحظات، ثم قال:
-    حسنا سأعرف منه المزيد عندما أعود ... وما هو الشئ الثاني؟
تردد (سامح) للحظة، وفكر هل يخبره بشأن (حسناء) أم يكتم عنه هذه المعلومة، الحقيقة أنها مريبة بالفعل وتحمل سرا غامضا:
-    هناك فتاة غامضة، أراها على الشاطئ وبالقرب من الشاليه، ويجزم عامل الأمن أن المجمع لا يوجد به أحد غيري في هذا الوقت من العام.
أومأ المفتش برأسه وهو يقول:
-    بالفعل لقد أخبرني بذلك منذ دقائق، لهذ جئت لأتحدث إليك.
توقف قليلا ثم أردف بكلمات سريعة، عصبية، وكأنه وجد ضالته:
-    وهل تعرف اسمها ووصفها؟ وهل تعرف أين أجدها؟
-    اسمها (حسناء)، أما عن وصفها فأنا رسام وقد رسمت لها صورة بالفعل.
ثم أخرج من دفتره صورة (حسناء) وأعطاها للمفتش (علي)، الذي صورها بهاتفه المحمول وأعادها إليه ... أردف (سامح) قائلا:
-    أما أين أجدها؟ فهي تظهر لي في كل وقت وفي كل مكان مثل عفريت العلبة ... ولكن!
تردد (سامح) للحظة، فشجعه المفتش (علي) على الاسترسال:
-    ولكنها طلبت مني أن أقابلها على الشاطئ عند (البرجولة)!
شكره المفتش (علي) على وقته، وأعطاه رقم هاتفه المحمول وهو يقول:
-    إذا وجدت مايريب اتصل بي فورا ولا تتردد ... ونصيحة أخيرة.
-    ماذا؟
-    لا تذهب إلى البحر الليلة!
***
لا يعرف (سامح) لماذا وجد نفسه يتوجه إلى الشاطئ في المساء متجاهلا تحذير المفتش (علي) ... كانت الساعة العاشرة عندما وصل إلى تلك (البرجولة)، كان يأمل أن تظهر (حسناء) وتخبره بما يريد معرفته، أو لا تخبره، كان بحق يتمنى ظهورها فقط ... كان يرتدى ثياب ثقيلة لتحميه من برد المساء، وبالفعل كان الجو شديدة البرودة، من ذلك النوع الناخر للعظام ... شعر بأن أطرافه تتجمد وبأن أنفه وأذنيه وشفتيه، لم يعد لهم وجودا على وجهه ... بالطبع لم يجد (حسناء) تنتظره هناك كما تمنى، فجلس ينتظر وحيدا،يتشاغل بمراقبة حركة الموج المنومة ويسرح بخياله في عوالم  تخيلية، يكون فيها هو البطل الوحيد، الغريب أنه كان يجد تلك الفتاة (حسناء) تقفز إلى داخل كل قصة تخيلها، حتى ولو حاول دفعها بعيدا ولكنها كانت تعود إليها وبإصرار عجيب ...
عندما تجاوزت الساعة الثانية عشر قرر أن يعود إلى الشاليه، عندها اكتشف إن أطرافه تجمدت تماما وأن تحريكها يحتاج لمجهود كبير ... وعندما تمكن من تحريكها أخيرا ونهض عازما الرحيل، رآها ... رآها تخرج من البحر والمياة تقطر عن جسدها وشعرها الذهبي الذي يغطيها حتى ما دون ركبتيها ... للحظات تصور أنها (حسناء)، ولكن عندما اقتربت منه بخطوات فاتنة، مغوية، أدرك أنها ليست (حسناء)، بل هي امرأة أخرى فائقة الحسن والجمال ... بالتأكيد هي أجمل امرأة رأتها عيناه كرجل وكفنان يستطيع أن يميز الجمال ويوقره ... تمنى أن يكون بين يديه الآن فرشاة وألوان حتى يرسم صورة تخلد هذا الجمال، صورة سيكون محلها بين أعظم اللوحات التي رسمتها فرشاة بيد إنسان ... كانت تقترب منه أكثر حتى صارت على مسافة مترين فقط، فمدت له يدها بدلال، فخطا نحوها بسرعة وأمسك بيدها، فاستدارات عائدة نحو البحر فتحرك معها مسلوب الإرادة ... مست قدماه ماء البحر فلم يشعر ببرودته، واستمر على توغله معها حتى جاوز الماء فخذيه ... فجأة انطلقت تلك الصرخة بذلك الصوت النسائي قادما من ناحية الشاطئ:
-    توقفي أيتها اللعينة.
جعلته تلك الصرخة يفيق من الحالة التي كان عليها، فانتبه إلى (حسناء) وهي قادمة تعدو نحوهما، قبل أن تلج الماء وتتقدم أكثر منهما وفي يدها بندقية غريبة المنظر ... شعر بألم رهيب في يده التي كانت تمسك بها تلك المرأة فالتفت إليها، فراعه ما رأى، فقد تحولت تلك المرأة فائقة الجمال إلى وحش مرعب تغطي الحراشيف جسده ويعلو رأسه أجمة من الأشواك يجعله أشبه (بميدوزا) ذلك الوحش الأغريقي الأسطوري، وله أنياب مرعبة ومخالب بارزة تمزق يد (سامح) في تلك اللحظة، صرخ (سامح) بهستيريا وحاول أن يخلص يده ويهرب، فزاد ذلك الوحش من قبضته وبدأ يجذبه أكثر إلى داخل البحر بقوة لا قبل (لسامح) بها ... وصلت (حسناء) وصوبت بندقيتها إلى الوحش وأطلقت منها سهما ذو ذيل زغبي انغرس مباشرة في صدره ... أصدر ذلك الوحش صرخة حادة تشبه النحيب، ثم خلى قبضته عن ذراع (سامح) وتوجه إلى (حسناء) التي أطلقت عليه سهم ثان انغرس في كتفه ... وصل الوحش إلى (حسناء) التي كانت تعد البندقية لطلقة ثالثة ولكنه لم يمهلها وضربها بيده المخلبية ضربة قوية أطاحت بها لعدة أمتار قبل أن تسقط على الأرض دون أي حراك ... صرخ (سامح) بإسم (حسناء) واندفع بقوة محاولة الإطاحة بذلك الوحش بجسده، ولكنه شعر كأنه يصطدم بحائط خرساني، فسقط على الأرض وهو يشعر أن كل عظمة في جسده قد تفتت ... التفت الوحش إليه ثم توجه نحوه بخطوات متأدة، كان (سامح) يشعر بأنه عاجز تماما عن الحركة ... فجأة انطلق دوي طلقات نارية أضاءت شرارتها ظلام الليل، أصابت تلك الطلقات النارية جسد الوحش، أكثر من مرة، فأخذ الوحش يترنح وهو يتراجع إلى الخلف ... ظهر المفتش (علي) وهو يواصل إطلاق النار من مسدسه على ذلك الوحش حتى أفرغ مشطا كاملا من الطلقات، فاستبدله بآخر بمهارة عالية وواصل إطلاق النار ... كان الوحش ينتحب من الألم ويتراجع للخلف، ثم استدار وقفز في الماء وهو يسبح بسرعة عالية، قبل أن يغيب في ظلام البحر ...
اقترب المفتش (علي) من (سامح) وأعانه على النهوض وهو يقول:
-    هل أنت بخير؟
تأوه (سامح)، وهو يقول بجزع:
-     (حسناء) ... هل هي بخير... لقد أنقذتني؟
توجه كلاهما إلى (حسناء) التي كانت تتألم بدورها وهي تعتدل، قبل أن تقول:
-    هل أخذ أحدكم رقم الحافلة؟
كانت دعابة في غير موضعها، ولكنها طمأنت (سامح) عليها، فابتسم وهو يقول:
-    أنت غريبة، هل هذا موقف يدعو للسخرية ... لقد كنا سنذبح بيد مخلوق يشبه (الميدوزا).
-    إنها عروس البحر التي تتحدث عنها الأساطير.
نظر لها (سامح) نظرة مطولة، وهو يقول:
-    من أنت؟ ومن أين جئت؟
أشارت مرة أخرى إلى البحر، فقال بغضب:
-    تريدين العبث من جديد.
-    إنها الحقيقة ... أترى هذا الضوء الضعيف في منتصف البحر، إنه المركب الذي أقطن فيه هذه الأيام مع أبي وأمي.
كانت الدهشة وعدم الفهم قد ارتسما على وجه (سامح)، فأردفت قائلة:
-    أبي عالم في الأحياء البحرية، وأمي عالمة آثار ... وقعت بين أيديهما مخطوطة من العصر الفرعوني تتحدث عن ذلك المخلوق الأسطوري، عروسة البحر، وقد أسرتهما تلك المخطوطة واستحوذت على عقليهما، فقضيا سنوات طويلة في أبحاث أوصلتهما إلى هذا المكان في هذا الزمان على أمل إثبات وجود ذلك المخلوق الأسطوري.
ابتسم المفتش (علي) وهو يقول:
-    إذا أنت كنت تقومين بدور المخبر لهما على الشاطئ.
-    لم يكن ذلك برغبتي ... أنت لا تعرف الحل عندما تعيش في بيت من العلماء ... أسرة مجنونة ولكنك مضطر أن تكون فردا فعالا فيها، وجزء من الخطط التي يضعونها.
قال المفتش (علي) بحدية:
-    لقد كانت خطتكم سيئة، لقد كدت تفقدين حياتك وذلك المسكين أيضا.
حاولت (حسناء) النهوض فعاونها (سامح) وهو يقول بصوت متهدج:
-    المهم أنك بخير ... أنا مدين لك بحياتي.
تلاقت عيناهما لفترة طويلة في نظرات تحمل مشاعر خاصة، فتنحنح المفتش (علي) وهو يقول بحرج:
-    هيا ... علينا أن نذهب الآن.
قالت (حسناء) وعيناها مازالت معلقة بعيني (سامح):
-    هناك اعتراف يجب أن اعترف به ... لقد كنت أؤدي هذه المهمة في البداية من أجل أبي وأمي ...
تضرج وجهها بحمرة الخجل وهي تردف بحرج موجهه حديثها إلى (سامح):
-    ولكن عندما شعرت أن الخطر قد يطالك أيضا، وبخاصة أنني رأيت آثار ذلك المخلوق بقرب الشاليه الخاص بك، وعرفت أنه في أثرك، قررت مراقبتك والتدخل لحمايتك إذا تعرضت للخطر... ولم أرد أن أخبرك بالحقيقة من البداية حتى لا تظن أنني مجنونة.
ابتسم (سامح) وهو يقول
-    الآن تأكدت أنك كذلك ... أتعرفين، قرأت أسطورة عروسة البحر في صغري وكان أكثر ما أسرني فيها، هو أن الشئ الوحيد الذي يحرر الضحية من ذلك السحر، هو الحب ... الحب الحقيقي ...
تضرج وجهها أكثر بحمرة الخجل وأشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى، فابتسم المفتش (علي) وهو يكرر:
-    هيا ... علينا أن نذهب الآن.
فقال له (سامح) وهو يشير إلى البحر:
-    وماذا عن ذلك الشئ؟
كانت أشعة الشفق قد بدأت تنعكس سطح البحر باستحياء معلنة بدء يوم جديد، فقال المفتش (علي):
-    هذا شئ لن يكون علينا أن نقلق بشأنه إلا بعد خمسين عام.
..(تمت)..
 

الجمعة، 14 أكتوبر 2016

البيت

قصة رعب بعنوان ... (البيت)
قلت له بحذر:
-    ما هي قصتك؟
-    لا داعي لتضييع الوقت في رواية قصة لن تصدقها في النهاية بطبيعة الحال كالآخريين.
-    وما الذي سيجعلني لا أصدقها؟
أشار بسبابته إلى صدره، وهو يقول بلهجة ساخرة:
-    كون من يرويها مجنون ... ومن النوع الخطر كما يقولون.
أخذت أتامل نظراته الزائغة، والقيود التي تدمي ساعديه وكاحليه وتجعل منه هو والفراش كتلة واحدة، ثم قلت بصوت حاولت أن أجعله هادئا، واثقا:
-    سأحاول أن أكون محايدا وأنا استمع إلى قصتك، ولن أجعل حالتك، وظروفك، تؤثران علي، وسأقول لك رأي في النهاية، وبصدق.
عقد حاجبيه في عدم اقتناع، وأمطرني بنظرات طويلة متفحصة حاول بها سبر غوري، ثم قال:
-    من أنت؟.. وما سر اهتمامك بي وبقصتي لهذا الحد؟
-    لست مهتما ... أنا فقط أؤدي عملي.
ألقى نظرة سريعة على معطفي الأبيض، و تسائل:
-    هل أنت طبيب؟
-    تستطيع قول ذلك.
مرت لحظة من الصمت، قبل أن أردف:
-    ومهمتى هي أن أكتب تقريرا (روتينيا) عن حالتك.
-    و ما الفائدة؟
-    لا فائدة، سيتم الاحتفاظ بهذا التقرير في الأرشيف، أو يستخدم كمفرش لطاولة الطعام في المطبخ، أو كورق للحمام ... أصدقك القول، أنا لا اهتم، هذا مجرد عملا (روتينيا) آخر علي أن أؤديه.
اندفع نحوي بقوة وعنف، وهو يصرخ:
-    من أنت حقا؟
تراجعت للخلف في خوف حقيقي، قبل أن اصطدم بباب الغرفة المغلق ... لحسن الحظ منعته القيود المحكمة من الوصول إلي ... أخذ يصرخ في (هستيريا) وهو يحاول التخلص من القيود ... كان الفراش المعدني يأن من محاولاته، وكانت عروقه بارزة، محتقنة، وعضلاته توشك على الانفجار، وللحظة خلت أنه سيتحرر، ولكنه عاد للهدوء فجاة كما بدء موجة الغضب فجأة ...  شجعني ذلك على التحدث إليه بصوت عقلاني، منخفض:
-    لماذا أنت غاضب؟.. قلت لك أنني طبيب ومهمتي الروتينية هي أن أكتب تقريرا عن حالتك وحالة بعض المرضى الآخرين في المستشفى... هذا هو عملي.
قال في صوت حاد:
-    أرني أنظر إلى ذراعيك.
مددت يدي نحوه في استسلام، وأنا احافظ على المسافة بيني وبينه، فقال بسرعة:
-    أرفع أكمام المعطف.
استجبت لمطلبه في محاولة لاكتساب ثقته ... خلعت المعطف وشمرت أكمام القميص ومددت ذراعي نحوه مرة أخرى ... أخذ يتفحصهما في لهفة، ثم قال:
-    أدرهما
رفعت ذراعي لأعلى وأخذت أحركهما حركات دائرية، وهو يواصل تفحصهما، قبل أن يتنهد وهو يقول:
-    حسنا، يمكنك الجلوس.
جلست على كرسي خشبي قريب من فراشه، وأيضا مع المحافظة على المسافة الآمنة، ثم سألته وأنا أشير إلى ذراعي العاريتين:
-    ماذا وجدت؟ هل هما بخير؟
-    أجل.
-    هل كنت تبحث عن آثار حقن فيهما؟.. هل أبدو لك مدمنا إلى هذه الدرجة؟
ثبت ناظريه على وجهي كأنه يحاول أن يقرأ ردة فعلي على تصريحه التالي، ثم قال:
-    أنا أبحث عن العلامة، علامتهم الخاصة.
-    علامة ... علامة من؟
صمت للحظة، وأشاح بوجهة إلى الناحية الأخرى، وهو يقول
-    ستعرف كل شئ عندما أحكي لك قصتي ... كاملة.
***
كنا خمسة من الأصدقاء نحشر أنفسنا داخل تلك السيارة القديمة المتهالكة، سيارة صديقنا (أحمد)... وامتلاك سيارة لطالب في السنة الثالثة من التعليم الجامعي في إحدى الجامعات الإقليمية حتى ولو كانت من مخلفات الحرب العالمية، هي رفاهية وكرامة خاصة لصاحبها ترفعه إلى مرتبة وتصنيف عال بين أقرانه هو والمقربين منه ممن يسمح لهم بركوبها معه، وتستطيع أن تستشعر تلك المرتبة عندما يصف سيارته في موقف الجامعة فننزل منها جميعا ونحن نمطر من حولنا من الطلاب الذين يمشون على أرجلهم أو يركبون المواصلات العامة بنظرات الاحتقار والاستعلاء رغم أننا كنا منهم بالأمس القريب ... اشترى والد (أحمد) المقاول الثري له تلك السيارة بعد أن تمكن من عبور خط (الثانوية العامة) بعد عدة محاولات وبمجموع هزيل سمح له في النهاية بالالتحاق بإحدى كليات الجامعة ... وبسرعة وفي وجود تلك السيارة استطاع (أحمد) اكتساب عشرات المعارف والمريدين بين الجنسين من طلاب الجامعة، لكن يظل هناك أربعة فقط من بين كل هؤلاء هم أصدقاؤه الحقيقيون ... أولهم هو (علي)، الرياضي المعتمد في الشلة بجسده الضخم وعضلاته البارزة التي دفع ثمنها ساعات طويلة ومرهقة في (الجيم)، وأطنان من البروتينات الطبيعية والصناعية، لذا استحق مكانه في ذلك المقعد الأمامي إلى جوار السائق الذي كان هو (أحمد) بطبيعة الحال، أما أنا فكنت أجلس على الأريكة الخلفية دائما، محشورا في المنتصف بين (أمير) و (حسام).
في كل ليلة كنا نتجمع على مقهانا الأثير لساعة أو ساعتين نتجادل خلالهما حول المكان الذي سنذهب إليه لاحقا من بين خيارات عدة، منها دخول السينما، أو التسكع بالمجمع التجاري، أو قضاء بعض الوقت في صالة الألعاب نتنافس فيها في ألعاب (الفيديو) أو على طاولة (البلياردو)، يلي ذلك وجبة العشاء الذكورية الدسمة والتي نختارها من بين باقة من أشهر المحلات التي أغلق معظمها في السابق لبيع المأكولات الفاسدة أو أشيع عنها أنها المستهلك الرئيسي للحوم الحمير والكلاب في المدينة ... أما السهرة والتي تمتد حتى ساعات الفجر الأولى فتكون بمنزل (حسام) الذي يعيش وحده في شقة مفروشة لكونه مغتربا عن أسرته التي تعيش في العاصمة، وهذا يعطيه مساحة كبيرة من الحرية غير متاحة لأي فرد آخر من أفراد الشلة ... كنا نقضي هذه الساعات في ألعاب الورق مثل (الستميشن) أو (البلاك جاك) أو حتى لعبة (البصرة) الشعبية حيث يكون كل شئ متاحا حتى السرقة في اللعب ... وهذا نظام دقيق يمكنك أن تضبط عليه ساعتك أو تقيم عليه تقويم خاص وتسميه تقويم الشباب (الفاضي)، وكلمة الفاضي هنا للتلطيف حتى لا نستخدم لفظا آخر أكثر قسوة و تعبيرا عن حالة الفراغ الرهيبة التي يعيشها أبناء جيلنا ... بالطبع مع قدوم موسم الامتحانات يختل هذا النظام تماما وتبدأ هستيريا الامتحانات المعروفة للجميع، أما في تلك الليلة فقد كان الموضوع مختلفا.
في تلك الليلة كنا مدعوين على حفل خطبة زميل لنا في قريته ... وهي قرية مجهولة على الحدود بين ثلاثة من محافظات الدلتا، مجهولة لدرجة أن أهلها يعرفونها باسم آخر غير الاسم المتعارف عليه في خارجها، وهو شئ معقد إذا حاولت الذهاب إليها وأنت لا تعرف الطريق معتمدا على أن يدلك البعض على مكانها ... وللوصول لهذه القرية تحتاج إلى أن تترك الطريق الرئيسي لتسير في طريق فرعي غير معبد، ثم تترك الطريق الفرعي لتسير في طريق أكثر فرعية وأقل تعبيدا، وهكذا دواليك في رحلة شاقة جديرة بأن تضاف إلى رحلات السندباد الشهيرة، كدنا نيأس في آخرها، ولكن الأمر المثير للدهشة أننا وصلنا للقرية في النهاية، بعد أن استمطرنا مئات اللعنات على رأس زميلنا المحتفى به والتي كانت تكفي لتشعل فيه النار وفي عروسه وفي قريته كلها ... سرعان ما نسينا ما عانيناه في الطريق واندمجنا في الحفلة التي كانت رائعة بحق، الكثير من الطعام والرقص والغناء، يبدو أن زميلنا هذا كان من الوجهاء ... مال (حسام) على أذني وقال بحقد واضح:
-    أجزم أن أهله من تجار المخدرات، أو السلاح، أو كليهما.
-    حرام عليك يا أخي، ألا يوجد في نظرك شخص ثري، وشريف في نفس الوقت.
أشار لي بسيجارة غريبة الشكل بين أصبعيه، وقال:
-    أتريد واحدة، إنهم يقدمونها مع الطعام.
نظرت له في عدم تصديق وجلت ببصري بين المدعوين، فوجدت الجميع يدخن سجائر مشابهة وهم في حالة انسجام شديدة، أطلقت ضحكة ساخرة وأنا أقول:
-    يا لها من ليلة!.. هل معك واحدة إضافية؟
بعد انتهاء الحفلة عرض علينا زميلنا المبيت، أو على حد قوله:
-    الصباح رباح.
و لكننا أصررنا في غباء واضح على الرحيل متعللين بأننا لم نخطر عائلاتنا باحتمال المبيت، وأضاف (أحمد) في ثقة يحسد عليها:
-    أنا أحفظ الطريق تماما، يمكنني أن أقود عائدا وعيناي معصبة.
بعد عشرة دقائق من مغادرتنا القرية أدركنا ثلاثة حقائق ... الحقيقة الأولى هي أننا ضللنا الطريق إلى ديارنا! والحقيقة الثانية هي أن خيار الرجوع إلى القرية لم يعد متاحا! أما الثالثة فهي أننا في منطقة لا يوجد بها أي تغطية لشبكات المحمول كما تشير به هواتفنا التي أصبحت عديمة النفع ... كان الظلام شديد الحلكة لدرجة لا ترى معها أصابع يدك لو أخرجتها من نافذة السيارة، كما أن الطرق التي نسير فيها أصبحت متشابهة بلا أي علامة مميزة تستطيع أن تفرق بها بين طريقا والآخر، وصرنا في كل مفترق نقترع لنقرر هل نسلك الطريق الأيمن أم نلتزم اليسار.
وبطبيعته المتشائمة، تذمر (أمير) وهو يوجه حديثه إلى (أحمد):
-    تقود وعيناك معصبة، ضيعتنا يا (فالح).
قال (علي) ساخرا:
-    لقد قال الرجل أنه يستطيع أن يقود وعيناه معصبة، ولكنه لم يقل أنه يستطيع ذلك دون عصابة على عينيه.
قال (أحمد) مدافعا عن نفسه:
-    مع هذا الظلام لا يوجد فرق، أنا شخصيا لا أعرف إذا كانت هناك عصابة على عيني أم لا.
قال (أمير) في قلق حقيقي:
-    ماذا سيحدث لنا الآن لو تعطلت هذه الخردة؟
كنا نعرف طبيعة (أمير) القلقة فوجدناها فرصة لتزجية الوقت:
-     ماذا سيحدث!.. ستخرج الغيلان من هذه الحقول لتقيم مأدبة على شرفنا.
-    أو النداهة.
-    و هناك جان الحقول أيضا والأشباح.
-    لماذا تذهبون بعيدا؟.. بالتأكيد يوجد حيوانات مفترسة تعيش في هذه المنطقة، كالذئاب، والضباع.
-    ولا تنسى السلعوة.
قاطع (أحمد) ذلك الحديث مدافعا عن سيارته:
-    لا تقلقوا هذه سيارة أصيلة، صنعت يوم كانوا يصنعون سيارات حقيقية، وليست كسيارات هذه الأيام المصنوعة من (البلاستيك) والورق المقوى ... مثل هذه السيارة لا تتعطل أبدا في المواقف الحرجة.
-    كروووك كرااااك كك كك كك هفففففف
كان هذا الصوت هو صوت سيارة (أحمد) بعد أن أصابتها أزمة قلبية مفاجأة، فنطقت بالشهادتين، وأخذت تترنح قليلا، ثم انهارت بعد أمتار قليلة وتوقفت، وخمد محركها، وصارت جثة هامدة.
(انتهى الجزء الأول ويليه الجزءالثاني)
قصة رعب بعنوان ... (البيت – الجزء الثاني)
توقف قليلا ليلتقط أنفاسه، كان يتكلم بسرعة شديدة كأنه يتخلص من ثقل يجسم على صدره، فقلت له مشجعا:
-    وماذا حدث بعد ذلك يا سيد (محمود)؟.. اسمك (محمود) أليس كذلك؟
-    أجل.
-    يمكنك أن تكمل قصتك، ولكن بسرعة أقل حتى يمكنني استيعاب كافة التفاصيل.
أومأ برأسه موافقا، فقلت متسائلا:
-    فهمت من كلامك، أنكم تعاطيتم شيئا من المواد المخدرة في تلك الليلة.
-    أجل ... القليل منها، ولكن لا علاقة لذلك بما حدث لاحقا في تلك الليلة.
-    وماذا حدث فيها بالضبط؟
أغمض عينيه وبدا كأنه يسترجع مشاهد تلك الليلة من ذاكرته، ثم أكمل قصته.
***
قال (أمير) في انفعال:
-    ألم أقل لكم ، لقد فعلتها.
حدجه (علي) بنظرة نارية، ثم التفت إلى (أحمد) وهو يضع يده على كتفه في توعد، قائلا بسخرية عصبية:
-    ما الخطوة القادمة يا زعيم؟.. هل هناك قنبلة مخبأة في هذه السيارة ستفجرها في أي لحظة؟ لتحقق الجريمة الكاملة.
غطس (أحمد) في كرسيه خجلا مما حدث، وخوفا من أن تتحول سخرية (علي) إلى غضب هادر كعادته، وعندما يغضب (علي) أو يقرر أن يحول قدراته الجسدية إلى شجار فلن يكون من مصلحة أحدهم أن يكون في الفريق المنافس ...  أتذكر آخر شجار لشلتنا مع دستة من الشباب العابث، أشعل (حسام) فتيل الشجار كعادته، ثم تظاهرنا جميعا بأننا نتشاجر والحقيقة أننا تحامينا وراء (علي) الذي كان وحده يتلاعب بخصومنا كأحجار النرد وكنا نحن في مقاعد المشجعين نصفق للضربة الحلوة ... أشار (أحمد) بيده إلى (علي) محاولا تهدئته، وهو يقول:
-    لا تقلق، سيبرد المحرك قليلا ثم يعود للعمل بكل طاقته.
هم (علي) بأن يرد عليه ردا موجعا يبكيه، ولكنه انتبه إلى صوت (أمير) وهو يقبض على يد (حسام) بذعر، بعد أن فتح الأخير باب السيارة توطئة لأن ينزل منها:
-    ماذا تفعل أيها المجنون؟
-    سأنزل، لأرى ما يمكن فعله.
وافقت (حسام) وأنا أهم بالنزول بدوري، قلت (لأمير) محاولا طمأنته:
-    بالفعل علينا أن ننزل، لا يوجد خطر في الخارج لا نستطيع التعامل معه خمستنا.
ثم تحولت إلى (أحمد)، وأنا أقول:
-    هل تستطيع أن تجعلها تعمل؟
قال وهو يخرج من السيارة في سرعة:
-    سأحاول، من المؤكد أنها ست.....
أخرسته ضربة من (علي) على ظهره، فصمت للحظة ثم قال:
-    على الأقل سأحاول.
وقفنا جميعا خارج السيارة ما عدا (أمير) الذي أصر على البقاء داخلها، كنا نحاول في يأس إصلاح السيارة، عدا (حسام) الذي استند على شنطة السيارة الخلفية وهو يدخن سيجارة باستمتاع ... كنت أنا و(علي) ننظر أسفل (كبود) السيارة وكان (أحمد) يحاول إدارتها ، أخذت أتأمل أجزاء السيارة أمامي قبل أن أقول (لعلي) في خبرة مصطنعة:
-    أتعلم؟
-    ماذا؟
-    يبدو أن محرك هذه السيارة في الخلف.
لم انتبه للضربة الثقيلة التي أصابت كتفي إلا وأنا على الأرض، و(علي) ينظر لي في ازدراء ... فقلت مستدركا:
-    أو أن البطارية معطلة.
-    أين هذه البطارية؟.. أنا لا أرى أي بطارية ... هل أنت متأكد أن هذه السيارة تعمل ببطارية؟
تعلقت أعيننا (بأحمد) وهو يبذل جهدا كبيرا مع السيارة، قبل أن يلتفت إلينا في يأس وهو يقول:
-    لا تريد أن تعمل.
-    من الواضح أننا جميعا لا نفهم شيئا عن ميكانيكا السيارات، أكثر من هذا الحمار.
قالها (علي)، ثم أشار بيده إلى ذلك الحمار الذي كان يسير بدون صاحبه على جانب الطريق ... ثم مد يده ليغلق (الكبود)،  قبل أن يتوقف وهو يقول:
-    حمار!.. ما الذي جاء بهذا الحمار إلى هنا؟
قلت في لهفة:
-    فلنحاول أن نمسك به، فقد يكون هو وسيلتنا الوحيدة للوصول إلى أقرب قرية.
وبسرعة انطلقنا جميعا في أثر الحمار، عدا (أمير) الذي ظل في موقعه داخل السيارة ... سبقنا (علي) إليه، فأصيب بذعر شديد الحمار لا (علي)، قبل أن يستدير ويندفع إلى حقل للذرة لا يفصله عن الطريق إلا مجرى مائي صغير ... طاردناه جميعا إلى داخل حقل الذرة، ونحن نطلق صرخات تشبه صرخات الهنود الحمر وهم يهاجمون قافلة للوجوه الشاحبة ... أخذ الحمار يراوغنا يمينا، ويسارا قبل أن يختفي في ممر طبيعي بين أعواد الذرة، لحق به (علي) في إصرار، كدنا نفعل مثله لولا أن أوقفتنا صرخة (أمير):
-    انتظروا.
قبل أن يردف في صوت متحشرج:
-    لا تذهبوا خلفه، إنه يحاول استدراجكم.
بالفعل توقفنا ولكن بعد أن غاب (علي) خلف الحمار في ذلك الممر المظلم الذي تغطيه عيدان الذرة ... ارتفعت أصواتنا تنادي على (علي) وتطالبه بالعودة، ولكننا لم نتلق منه ردا ... نظرنا إلى بعضنا البعض في حيرة للحظات، ثم وجدنا أنفسنا نتحرك عائدين إلى موقع السيارة بخطوات ثقيلة، تحمل الكثير من الخيبة، والقلق ... بادرنا (أمير) قائلا بانفعال:
-    ماذا فعلتم أيها الحمقى؟ ألم يساوركم الشك لحظة؟ حمار يسير وحدة دون صاحب بعد منتصف الليل، في استفزاز واضح، يحاول أن يلفت نظركم إليه بأي طريقة، ثم يهرب محاولا استدراجكم وراءه إلى داخل حقل ذرة ... أقطع ذراعي إن لم يكن هذا الحمار (آهه) شئ ما مرعب، كان ينتظر أن تتبعوه في سذاجة داخل الحقل ليتسلى عليكم هناك.
قلت له محاولا تهدئته:
-    لا داعي للمبالغة، إنه حمار عادي ضل عن صاحبه، وحاول أن يستأنس بنا، ولكنه فوجئ بهجومنا عليه مثل قطيع من الحيونات المفترسة، فدفعته غريزته إلى الهرب.
-    و ماذا عن (علي) أنا متأكد أنه لن يعود.
تدخل (حسام) في النقاش قائلا بنفاذ صبر:
-    يا أخ (أمير) لا داعي للجبن، كفانا ما نحن فيه ... لا تقلق سيعود (علي).
أكد (أحمد) نفس الكلام محاولا أن يبعث الطمأنينة في نفسه، قبل أن يبعثها في الآخرين:
-    أنا غير قلق على (علي)، أنا قلق على المخلوقات المرعبة التي ستقابله هناك.
كان (أمير) قد بدأ يهدء، وكنا جميعا قد عدنا إلى داخل السيارة ننتظر في صمت وقلق عودة صديقنا (علي) ... كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحا، وأنا أقول:
-    هل يمكننا الوصول سيرا إلى أي قرية قريبة؟
-    أي قرية؟.. نحن لم نمر على منطقة واحدة مأهولة بعد أن غادرنا تلك القرية اللعينة.
قالها (حسام) وهو يمط شفتيه في لامبالاة، فبادره (أحمد) و هو يشير بيده:
-    وماذا عن هذه الحقول؟ هل تزرع نفسها بنفسها؟ من المؤكد أن هناك قرى قريبة يقطنها فلاحون.
قلت مؤيدا:
-    قد لا يكون هناك قرى قريبة على هذا الطريق؟ ولكننا لو سرنا مخترقين تلك الحقول قد نجد شيئا ما خلفها.
قال (أمير) وهو يرمقني بنظرات نارية:
-    أو نتوه كما حدث مع (علي)، فلا نستطيع الذهاب ولا العودة.
-    نحن الآن تائهين بالفعل ولا نستطيع الذهاب ولا العودة ... عسى أن يكون حظ (علي) أفضل من حظنا.
قاطعتنا فجأة صوت دقات شديدة على زجاج السيارة ... التفتنا في فزع فصعقنا لرؤية ذلك المخلوق البشع ينظر إلينا عبر زجاج السيارة الأمامي ... كان هذا المخلوق يشبه وحش المستنقعات كما نراه في أفلام الرعب الأمريكية وهو مغطى تماما بالطين الذي يقطر من كل أجزاء جسده ... أخذنا نصرخ في ذعر حقيقي، كنت أنا الأسرع في ردة فعلي، فقمت بضغط غالق باب السيارة الذي بجانبي و تبعني الباقين حتى تأكدنا أن السيارة مغلقة تماما من الداخل ... أخذ المخلوق يدق زجاج السيارة بعنف، وكانت يداه تتركان آثارا طينية على الزجاج  ... كنا نرتعد، ونصرخ وقد تكومنا في كومة واحدة على الكنبة الخلفية متوقعين بين لحظة وأخرى أن ينكسر الزجاج الأمامي، وينضم لنا المخلوق في الداخل، ليبدأ المرح.
-    أنا (علي) أيها الأغبياء!
قالها المخلوق، فسألني (أمير):
-    ماذا يقول؟
-    يقول إنه (علي).
قال (أمير) في ذعر:
-    وهل سنصدقه؟ أنا أعرف هذا النوع من الوحوش إنها دائما ما تدعي أنها (علي).
كان المخلوق يزيل الطين عن وجهه، فبدا تحته وجه (علي) كما نعرفه، مرعبا، ولكنه بشريا على الأقل ... فتحت باب السيارة بسرعة وأنا اخرج منها مرحبا:
-    (علي)، ماذا فعلت بنفسك؟ هل كنت تأخذ حماما طينيا؟
لحق بي الباقون، وانطلقت الضحكات الساخرة تعبر عن حالة الضغط العصبي التي كنا عليها منذ لحظات.
كان (علي) يواصل إزالة الطين عن جسده وهو يقول مفسرا:
-    كنت أجري وراء هذا الحمار اللعين.... فسقطت دون أن انتبه في بركة طينية صغيرة.
قال (أحمد) وهو يفتح (شنطة) السيارة الخلفية، ويخرج منها زجاجة ماء وحقيبة رياضية:
-    لا تقلق يوجد هنا بعض الملابس الرياضية، يمكنك أن تغتسل، وتغير ثيابك.
-    هل هذه نوبة كرم مفاجأة؟
-    ليست كذلك، ولكنني لن أسمح لك بركوب سيارتي وأنت بهذه الحالة ... ستكون الملابس ضيقة قليلا فهي على مقاسات البشر الطبيعيون، لذا حاول أن تتجنب الانفعال، والحركات المفاجأة، حتى لا تمزقها.
قال (علي) و هو ينفخ في غيظ:
-    هل هناك أوامر أخرى؟
-    نعم ... إذا مر أي حيوان آخر مسالم من هنا، بقرة، حمار، عنزة، أي حيوان، فلا تحاول مطاردته.
كنا ما زلنا نضحك، و(أحمد) يواصل مضايقاته (لعلي) وهو يعرف أن  (علي) لن يرد عليه، على الأقل حتى يغتسل ويغير ثيابه ... كانت تلك هي العلاقة دائما بين (أحمد) و(علي)، علاقة أشبه بعلاقة القط والفأر ...  كانت تلك المعارك الجانبية بينهما تزجي الكثير من أوقاتنا، وتخلق جوا من المرح ونحن نتابعهما، ونضحك مع كل قفشة أو طلقة يطلقها أحدهما تجاه الآخر... لكننا كنا جميعا نعرف أنهما الأكثر قربا بين أفراد الشلة على الرغم من التباين الكبير بينهما في كل شئ.
كان (علي) قد انتهى من تنظيف نفسه، وتغيير ثيابه ... وبدأ يستعد للرد على (أحمد) قولا، وفعلا، ولكن (أمير) أوقفه و هو يقول:
-    ماذا سنفعل الآن؟
التفت إليه (علي)، وهو يخبط رأسه بكفه:
-    (أخ)، كدت أنسى.
-    ما الذي كدت تنساه؟
-    كانت تلك المطاردة مفيدة على أي حال، فخلف هذا الحقل مباشرة يوجد بيت كبير ... بيت يقطنه البشر كما يبدو، فقد كانت نوافذه مضائة.
-    ولماذا لم تسأل أصحابه عن الطريق؟
-    قررت أن أصحبكم معي إلى هناك، فقد تصيب أصحاب هذا البيت نوبة كرم هم أيضا، فيستضيفونا لديهم حتى الصباح أو يوفروا لنا وسيلة للانتقال أو هاتف يعمل فنطمئن به عائلاتنا، أو نتصل بأي شخص يستطيع أن يساعدنا في تصليح هذا التابوت.
صمت قليلا ثم أردف وهو يحرك يديه بحركة مسرحية:
-    إذا لم يكن لديكم مانع، يمكنني أن أدلكم على الطريق.
(انتهى الجزء الثاني ويليه الجزءالثالث)

قصة رعب بعنوان ... (البيت – الجزء الثالث)
في تلك اللحظة فتح باب الغرفة، ودخل ممرض ضخم الجثة، غليظ الملامح  يرتدي ثوبا كان أبيضا في الماضي قبل أن يختفي لونه تحت بقع من الأوساخ أكثرها باللون الأحمر، تشعر معها أنه يعمل في محل جزارة بعد ساعات العمل الرسمية ... ودون أن ينطق بأي كلمة اتجه إلى المريض (محمود) الذي تحرك في فراشه بذعر، وبلا اهتمام قبض الممرض بعنف على وجه (محمود) فاتحا فمه،  قبل أن يدس فيه بعض الأقراص ... ثم اتجه إلى منضده خشبية في الجانب الآخر من الغرفة عليها دورق زجاجي وبعض الأكواب (البلاستيكية)، التقط احدها وصب فيه بعض الماء من الدورق، وسقاها (لمحمود) بنفس الطريقة، قبل أن يقول بصوت خشن يخرج من حنجرة صنعت أحبالها من الصلب الغير مرن:
-    بسم الله.
غادر بعدها الغرفة وأغلق الباب خلفه دون أن يلتفت ... نظرت إلى (محمود) في دهشة قبل أن أقول مداعبا:
-    ما كان هذا؟
قال وقد ارتسمت على شفتيه شبح ابتسامه (يبدو أنني قد نلت بعض ثقته):
-    لا أعرف، إنه يفعل ذلك يوميا وبنفس الحماس والإصرار.
-    إنه يؤدي عمله، لا داعي للقلق.
-    نعم لا داعي للقلق ... فهو لا يحمل العلامة على ساعده أيضا، وإن كان وجهه مخيفا بما يكفي.
-    ستخبرني ما قصة هذه العلامة إذا.
-    بالتأكيد، سيكون ذلك بعد لحظات قليلة.
-    إذا دعنا نعود إلى حيث توقفنا، ماذا حدث بعد ذلك؟ هل قادكم (علي) إلى ذلك البيت مباشرة.
***
كنا قد عبرنا حقل الذرة ونحن نجر (أمير) جرا، بعد أن رفض في البداية أن يأتي معنا وأخذ يلقي علينا توقعاته عن الأخطار التي سنجدها حتما في حقل الذرة أو فيما وراءه، احتجنا لجهد مضاعف حتى أقنعناه بأن البقاء وحده سيكون أكثر خطرا من مخاطرة القدوم ...  كان (علي) يوجهنا إلى الطريق الصحيح ويحذرنا من العوائق التي قد تقابلنا:
-احذروا من البرك الطينية إنها منتشرة هنا في كل مكان ... ابتعدوا عن الأرض المبتلة ... هناك شتلة من النباتات الشوكية هنا فاحذروها أيضا!
قال (أحمد) في سخرية:
-    يبدو أنك قد صرت تحفظ المنطقة تماما.
-    أكثر مما تظن.
غرزت قدم (أحمد) في كتلة من الروث فقال في تأفف:
-    اللعنة، لماذا لم تحذرني من هذه أيضا.
قال (علي) وهو يرد الكيل (لأحمد) على مضايقاته السابقة:
-    هذه هي المرة الرابعة التي تطأ فيها كتلة من الروث في الخمس دقائق الأخيرة، كنت أظن أنك تحب ذلك وتفعله عامدا!
استعد (أحمد) للرد، قبل أن يقاطعه صوت (حسام) وهو يقول:
-    هل هذا هو البيت؟
-    نعم.
قال (أمير) وقد اتسعت عيناه في انبهار وجل:
-    إنه قديم جدا.
كان وصف (أمير) شديد الدقة فقد كان البيت شديد القدم، بطابقين من الطوب اللبني يعلوهما برج للحمام، وملحق بهما حظيرة للماشية لها باب ضخم مصنوع من ألواح خشبية خام تم قطعها مباشرة من الأشجار ولم تمر بأي مرحلة من مراحل المعالجة من تسوية و تشذيب ... أما البيت نفسه فيبدو أنه كان مطليا بطلاء جيري أصفر في يوم من الأيام، أما اليوم فقد حال الطلاء تماما إلا من بعض البقع المنتشرة هنا و هناك ... كنت تستطيع أن ترى القدم في كل جزء من أجزاء البيت، تراه في خيوط العنكبوت المنتشرة على الخصاص الخشبي المتهالك للنوافذ، وتراه في طبقة الغبار التي غطت الدرج الخشبي ذو الأربعة درجات الموجود في المدخل الأمامي، وفي أشجار (التوت) العملاقة التي نمت دون رعاية حتى أن بعض فروعها تستند على جدران البيت أو تمتد داخل شرفة الطابق الثاني ... وتراه أيضا في ذلك الظلام الكئيب الذي تشعر بثقله و هو يجسم على روح هذا البيت ويخنقها...
التفت إلى (علي) قائلا في دهشة ممزوجة بالقليل من التهكم الذي يمكن أن يسمح به الموقف:
-    كنت تقول أن هذا البيت مسكون!
قبل أن أردف:
-    بالبشر!
-    نعم، ألا ترى هذا الضوء في الطابق الثاني.
قالها وأشار بسبابته إلى نافذة في الطابق الثاني كان خصاصها قد فقد نصف ألواحه، بالفعل كان هناك ضوء ضعيف مهتز، يبدو كأنه ضوء شمعة، أو شعلة صغيرة.
-    أنا عائد، هل تاتون معي؟
قالها (أمير) وهو يستدير على عقبيه، عازما العودة إلى مكان السيارة، قبل أن يقبض (علي) على أحدى يديه، ويمسك (أحمد) بالأخرى وهو يقول:
-    دعنا نستكشف هذا المكان أولا ... ماذا سنخسر؟
-    أرواحنا ... هذا البيت إما مسكون بالأشباح أو باللصوص ...  أو بأشباح لصوص ماتوا قبل أن نولد!
ثم نظر إلى (علي) وهو يردف:
-    لا أظن أن هناك تليفون في هذا البيت العتيق ... هذا البيت مهجور من قبل أن يولد السيد (جرهام بل) مخترع التليفون نفسه.
خلص (أمير) كلتا يديه، وهو يردف في ضيق:
-    لا تحاول، لن أدخل هذا البيت أبدا!
قال (علي) وهو يدفعه إلى الباب بمساعده (أحمد):
-    دعنا نطرق الباب على الأقل ونرى ما يحدث.
تحركنا نحو البيت وصعدنا الدرج الخشبي الذي أخذ يأن مع خطواتنا الحذرة ... للحظات وقفنا أمام الباب الخشبي الضخم ونحن نتبادل نظرات متسائلة، ينتظر كل منا ما سيفعله الآخر، حتى رفع (علي) راحة يده المفتوحة وأخذ  يطرق على الباب بقوة ... لا أعرف ما هو نوع الخشب الذي صنع منه هذا الباب، يبدو أنه يتميز بخصائص صوتية خاصة، فقد كان صوت الطرقات قويا، يحمل صدى، أجوف، مزعج، تشعر معه كأن (علي) يدق على أطار طبلة عملاقة ... شعرت بانزعاج شديد وحاولت التعلق بيد (علي) لامنعه من الاستمرار ... كانت حركة مفاجئة، ومع حماسة (علي) المبالغ فيها لتحطيم الباب مدعيا أنه فقط كان يحاول الطرق، تمزق (كم) القميص الرياضي الذي يرتديه (علي)، صرخ (أحمد) بانفعال:
-    لقد مزقت القميص أيها الأحمق، إنه ماركة (براند).
تمتمت بكلمات متأسفة دون انتباه حقيقي، فقد كان ما يشغل بالي لحظتها هو تلك العلامة الغريبة التي رأيتها على ساعد (علي)، والتي أجزم دون شك أنني لم أرها عليه من قبل، على الرغم من أن (علي) كان دائما يرتدي قمصانا بأكمام قصيرة كي يتباهى بعضلاته المفتولة أمامنا ... كانت العلامة عبارة عن ثلاثة خطوط قصيرة، مائلة، ومتوازية من الشعر الداكن تشبه تلك العلامة الرياضية الشهيرة، تظهر بوضوح على باطن الساعد قريبا من الرسغ ... ما أثار انتباهي أكثر هو محاولة (علي) لتغطية تلك العلامة بسرعة، وبتوتر ... قد يكون هذا التصرف هو ما جعلني أتصور ساعتها أن مبعث هذه العلامة هو مرض جلدي ألم به، وهو يحاول أخفاءه عنا، قاطعني صوت (أحمد)، وهو يقول:
-    الباب.
-    ما باله؟
-    إنه مفتوح.
بالفعل كان الباب مفتوحا، ومع طرقات (علي) الثقيلة أنفرجت أحدى ضلفتي الباب عن بصيص من الضوء ينبعث من الداخل، وقبل أن يدخل (علي) ويسحبنا وراءه، صرخ (أمير):
-    ماذا الآن؟ هل سنقتحم المنزل؟
تبادل (علي) و(أحمد) النظرات التي معناها أنهما ينتويان فعل ذلك، فقال (أمير) وهو يتحرك مبتعدا، وهو يضرب كفا بكف:
-    أنا ذاهب إلى السيارة ... من سيأتي معي؟
رفع (حسام) يده وهو يقول:
-    أنا سأفعل، فاستكشاف الأماكن الغامضة ليس من بين هواياتي.
يبدو أن اللحظة التي سننقسم فيها إلى فريقين قد جاءت، بالنسبة لي كان القرار صعبا ... كان الجميع يصفني بالتردد في الماضي، وفي هذا ظلما لشخصي فأنا لست مترددا كما يقولون، أنا إنسان وسطي لا يحركه الميل ولا الهوى، أحاول الاحتكام دائما إلى صوت العقل وهذا أحيانا يحتاج إلى وقت طويل للتمحيص والتفكر حتى استطيع التوصل للقرار المناسب ... أنا لست مختلا لأقدم مثل هؤلاء، ولا جبانا لأتراجع مثل أولئك ... كانت هذه الخواطر تتلاعب بعقلي حتى قال (علي) في نفاذ صبر، وهو يخاطب (أمير):
-    حسنا يمكنك العودة أنت و(حسام) ... أما أنا و(أحمد) و(محمود) فسوف ندخل ... ما رأيكما؟
كان السؤال موجها لنا، أنا و(أحمد)، فهز الأخير رأسه موافقا في حماس، أما أنا فقد كنت أبحث عن السبة المناسبة التي يجب توجيهها (لعلي) على إقحامه لي ضمن فريق المختلين ... أحيانا يحتاج التفكير حتى تصل لقرار حكيم وقتا أطول من المتاح، فتجد نفسك مضطرا لأن تتبع من لا يفكر من الأساس ... قلت وقد ارتسمت على وجهي ابتسامة بلهاء:
-    بالطبع.
لم تكن تلك قسمة ضيزى، فمن الطبيعي أن تنقسم الشلة على نفسها إلى فريقين ثابتين طبقا للجرأة ... كان المتغير الوحيد هو (أنا)، وأي الفريقين سأتبع، عادة ما كنت أتبع الفريق الذي يطلبني أولا ... للأسف طلبني المختلون أولا، مع أني كنت أشعر أن فريق الجبناء كان الأنسب في تلك المرة ... أخذت أبحث عن كلمات مناسبة يمكنها تغيير هذا الواقع، فخرجت كلماتي مهتزة، ضعيفة:
-    هل أنتم واثقون من أننا ....
قاطعني (علي) وهو يربت على ظهري بيد كخف الجمل:
-    نعم.
قبل أن يلتفت إلى (أمير) وهو يقول:
-    يمكنك أن تأخذ أحد المصباحين.
كان معنا مصباحين ضوئيين من النوع القابل للشحن، جاء بهما (أحمد) من (شنطة) سيارته ... كنا دائما نسخر من أن (شنطة) سيارة (أحمد) فيها كل شئ من الأبرة، للصاروخ، عليك فقط أن تتمنى وستجد ما تتمناه فيها، مواقف ومشاكل كثيرة تعرضنا لها وكان الحل دائما في أشياء يخرجها (أحمد) من (شنطة) سيارته، وها هو يفعلها الآن.
انتظرنا قليلا حتى تأكدنا أن (أمير) و(حسام) قد غابا في الطريق الصحيح، قبل أن يقول (أحمد) بصوت هامس:
-    هل ندخل الآن؟
مط (علي) شفتيه، وهو يقول:
-    أجل.
دفع (علي) الباب لينفتح على مصراعيه، قبل أن يمد رأسه إلى الداخل، وهو يصيح:
-    السلام عليكم، هل من أحد هنا؟
كررها عدة مرات ولكنه لم يتلقى ردا ... دلفنا إلى الداخل في خطوات مرتعدة، كنا نسير في طابور ثلاثي يتقدمه (علي)، يتبعة (أحمد)، وكنت أنا في المؤخرة أدفن رأسي في ظهر (أحمد) ... سمعت (علي) يقول:
-    هذا غريب!
أثار هذا القول فضولي، مما دفعني إلى أن أرفع رأسي وألقي نظرة وكان بالفعل ما رأيته غريبا.
في ذلك الوقت، كما عرفت لاحقا، كان (أمير) و(حسام) يبحثان عن طريق العودة وهي ليست عملية سهلة، خاصة وأنت تحاول اختراق حقل للذرة حيث لا يكون هناك دليل على الاتجاه سوى إحساسك بالاتجاهات، ويبدو أن كليهما لا يمتلك هذا النوع من الأحساس ... قال (حسام) في ضيق:
-    يبدو أننا ضللنا الطريق للمرة الثانية في نفس الليلة.
أشار (أمير) بسبابته وهو يقول:
-    أعتقد أن علينا الذهاب في هذا الاتجاه.
-    ما الذي يجعلك متأكدا هكذا؟
-    لا شئ، مجرد حدس داخلي.
تمتم (حسام) بكلمات حانقة، قبل أن يردف:
-    حسنا دعنا نسير في أي اتجاه، ولنلتزم به حتى نغادر هذا الحقل اللعين.
أخرج (حسام) علبة السجائر من جيبه، وبحركة محترفة ألقم فمه بواحدة، ثم بدء يبحث في ثيابه، قبل أن يوجه حديثه إلى (أمير):
-    هل معك ثقاب ...
قاطعه (أمير) و هو يضع يده على فمه:
-    صه.
-    ماذا؟
قطب (أمير) حاجبيه، وهو يقول في قلق:
-    انصت، هناك من يتبعنا.
توقف (حسام) عن الكلام وأخذ يحاول الانصات هو الآخر ... بالفعل كان هناك صوت حفيف يأتي من الاتجاه الذي اشار له (أمير) منذ لحظات ... كان الصوت يقترب في اتجاههما ... لم يعد هناك شك ... هناك شئ ما يتحرك في سرعة، ومقتربا منهما ... قال (حسام) بصوت منخفض:
-     إنه قادم.
أمسك (أمير) بيد (حسام) و هو يدفعه للتحرك في الاتجاه العكسي، فاعترض الأخير قائلا:
-    لكننا هكذا نسير في عكس الاتجاه الذي أشرت إليه منذ قليل.
-    هيا بسرعة، لا أحب ان أقابل هذا الشئ.
-    وما أدراك أنه ليس شخصا؟ يمكننا ان نطلب منه المساعدة!
-    و محتمل أيضا أن يكون شيئا آخر ... دعنا نغادر هذا الحقل في أسرع وقت وبعدها يمكننا مناقشة الاحتمالات.
لم يجادل (حسام) كثيرا فهو شخصيا يشعر بالخوف الآن، كما أن توتر (أمير) نجح في أن ينشط خياله ويرسم داخله تصورات مريعة عن هذا الشئ القادم نحوهما ... بدءا يتحركان محاولين الابتعاد في خطوات حثيثة أقرب للعدو ... تنبه (حسام) إلى أن ذلك الشئ ما زال في اثرهما، والأدهى أنه قد صار أكثر قربا ... التفت إلى (أمير) فعرف من الذعر المرسوم على وجهه أنه يفكر في نفس الشئ، فقال له بصوت متهدج:
-    إنه خلفنا.
-    هيا، أسرع.
انطلق (أمير) يجري كالملسوع بعد أن ضخ الرعب في عروقه طاقة إضافية زادت من سرعته، ومن خلفه (حسام) يحاول اللحاق به رغم الظلام وسيقان الذرة الكثيفة التي تكاد تغيبه عن ناظريه، إلا أنه لا يزال في أثره يلاحق صوت أنفاسه اللاهثة، وذلك الضوء المتراقص الذي ينبعث من المصباح الذي يحمله في يده، صرخ عليه (أمير):
-    من هنا، يوجد ممر.
وبدون تفكير تحرك (حسام) في اتجاه الصوت ليجد نفسه خلف (أمير) داخل ممر ممهد بين سيقان الذرة، وبدا في نهايته مخرج يمكنه أن يلوذ بهما  خارج هذه المتاهة ... زادت رؤية هذا المخرج من حماستهما، فانطلقا كأنهما آلتين للعدو لا هدف لهما سوى الهروب ... كانا يدركان تماما أن هذا المطارد المجهول ما زال في أثرهما، بل هو الآن بجوارهما تماما، يعرفان ذلك من صوت الحفيف، ومن حركة سيقان الذرة في جانب الممر.
كانت هناك خطوات قليلة تفصلهما عن نهاية الممر قطعاها في لحظات قليلة واندفعا إلى خارج حقل الذرة قبل أن يتوقفا على مسافة منه ... وبدون اتفاق مسبق التفت كلاهما وهما يتوقعان ظهور هذا المطارد المجهول الذي كان قريبا جدا منهما في اللحظات الأخيرة ... أخذ (أمير) يصوب المصباح تجاه الحقل متوقعا بين لحظة وأخرى أن يخرج هذا الشئ من بين سيقان الذرة ويهاجمهما ولكن ذلك لم يحدث!..، وبأنفاس متقطعة قال (حسام):
-    أين ذهب؟
-    لا أدري، و لكني متأكد إنه كان قريبا جدا منا! 
فجأة تحركت سيقان الذرة في عنف قبل أن يبدء شئ ما في التحرك، ولكن في هذه المرة مبتعدا في سرعة كبيرة، عرفا ذلك من متابعة حركة السيقان وصوت الحفيف الذي بدأ يخفت، حتى غاب تماما:
-    ما كان هذا؟
-    لا أعرف ، لعله كان ذئبا أو أي حيوان ليلي آخر.
 (انتهى الجزء الثالث ويليه الجزءالرابع)


قصة رعب بعنوان ... (البيت – الجزء الرابع)
أشرت له بأصابع يدي المضمومة وأنا أحركها لأعلى ولأسفل كي يهدء، بعد أن لاحظت أن قد صار منفعلا وبشده وهو يحكي الأحداث الأخيرة من قصته ... ثم قلت له:
-    لا داعي للانفعال ... سأقوم لأجلب لنفسي كوبا من الشاي ... هل أجلب لك واحدا معي؟
توفق عن السرد وهو يلتقط أنفاسه، ثم قال:
-    لا يوجد ما يمنع ... ولكن هل ستعطي مجنونا خطرا مثلي كوبا من الزجاج به سائل في درجة الغليان ... وكأنك تناوله سلاحا ليؤذي به نفسه والآخريين.
ابتسمت في البداية، ثم شعرت بالقلق وأنا أقول:
-    هذه دعابة ... أليس كذلك؟
ابتسم بدوره، وهو يقول:
-    أجل.
فقلت له وأنا أتوجه إلى الخارج ضاحكا:
-    لا تقلق سأجلبه باردا، وفي كوب بلاستيكي.
***
كان البيت من الداخل غريبا بالفعل، بل فائق الغرابة ولا يشبه أي شئ شاهدناه من قبل، حتى أنني قلت بصوت مبحوح من الدهشة:
-    أين نحن؟.. ما هذا المكان؟
كان البيت عبارة عن أسطوانة عملاقة من المعدن المصقول، المطلي بطلاء فسفوري مضئ، له سقف وأرضية من نفس المعدن، وإن كان السقف يبدو أكثر لمعانا وإشعاعا، أما الجدران فهي بلا  أبواب ولا نوافذ ولا أي معالم أخرى، وكأننا داخل بئر عملاق من المعدن المصقول، ونقف نحن كالأقزام على قاعه ... قال (أحمد):
-    هل يذكرني أحدكما بشكل هذا الشئ من الخارج؟
قلت، وأنا أحاول أن أجد رابطا منطقيا:
-    كان شكله عتيق، متداعي، اعتقد أن هذا كان للتمويه فقط!
-    التمويه ... ولماذا التمويه في هذه المنطقة المنعزلة؟
لم أجد إجابه مناسبة، فحاولت اختراع أي شئ يخطر على بالي وأنا أقول:
-    قد يكون هذا مشروعا حكوميا، سريا، يدار في تلك البناية التي تم إقامتها في تلك المنطقة المنعزلة، والتمويه على شكلها من الخارج لتخدع أي أشخاص قد يصلون إلى هنا بالمصادفة.
أجاب (أحمد) بسخرية:
-    أشخاص منحوسين مثلنا.
ثم أردف بسرعة وهو يشير إلى الناحية الأخرى:
-    ما هذا؟
كان جزء من الجدار المواجه ينشق صانعا فجوة وكأنها باب لغرفة أو لمكان آخر، توجه (أحمد) إلى ذلك الباب بفضول، فحاولت ملاحقته ... انتبهت إلى أن (علي) قد تخلف عنا على غير عادته، فتوقفت والتفت إليه متعجبا، وأنا أقول:
-    لماذا لا تأتي؟ هل عرف الخوف طريقه إليك أخيرا؟
ثم توجهت إلى (أحمد) صائحا بإسمه كي ينتظرنا لكي نلحق به، فلم يفعل واستمر في تقدمه تجاه ذلك الباب ... لم يرد (علي) على سؤالي وبدا شاردا، وتذكرت أيضا إلى أنه لم يشارك في الحوار منذ دخلنا إلى هذا البيت، فقررت العودة إليه مرة أخرى لأحثه على التحرك ... في تلك اللحظة كان (أحمد) قد وصل إلى ذلك الباب وولج الغرفة، فصرخت عليه:
-    انتظر ... لا تفعل!
نظرت إلى (علي) نظرة لائمة، مستنكرة، ثم حسمت أمري وانطلقت أعدو لألحق (بأحمد)، ولكن قبل أن أخطو ثلاث خطوات، انغلق الشق مرة واحدة وعاد الجدار مسمطا كما كان ... وصلت إلى ذلك الموقع من الجدار الذي اختفى وراءه (أحمد)، وأخذت أنادي عليه كالمجنون، التفت ورائي لأرى هل هب (علي) لمساعدتي، فكانت المفاجأة، لقد اختفى (علي) تماما.
هنا انبعثت صرخات (أحمد) من وراء الجدار، صرخات متألمة، متعذبة، وكأن هناك من يقوم بسلخه حيا ... أصابتني حالة من الهستيريا خوفا على صديقي، أخذت أدق على الجدار بكل قوتي، ثم رجعت إلى الخلف واندفعت بكل قوتي الجسدية محاولا الاصطدام بالجدار وتحطيمه، فلم أفلح إلا في تحطيم عظامي، أخذت أحرك يدي على الجدار بحثا عن (زر) خفي أو ذراع سري لفتحه، فلم أفلح أيضا ... فجأة انشق الجدار مرة أخرى من مكان مجاور وخرج منه (أحمد) مبتسما قبل أن ينغلق وراءه ... صرخت به:
-    ماذا حدث لك؟.. هل أنت بخير؟
أجاب بهدوء:
-    لا شئ؟
-    إذا لماذا كنت تصرخ؟
ارتفع صوت ضحكته الساخرة، وهو يقول:
-    هل صدقت ذلك؟ كنت فقط أريد أن أعرف قيمتي عندك؟
اندفعت نحوه مغتاظا، وأخذت أكيل له الضربات وهو يتفادها ضاحكا، فتوقفت وأنا أقول:
-    ماذا وجدت في الداخل؟
-    لا شئ ... مجرد غرفة أصغر تشبه هذا المكان؟
ثم انتبه لغياب (علي)، فقال:
-    أين (علي)؟
-    لا أعرف لقد اختفى مرة واحدة.
-    هيا نبحث عنه في الخارج.
ثم سبقني إلى باب البيت الذي دخلنا منه منذ دقائق، والذي بدا أيضا من الداخل كشق في الجدار ... هنا انتبهت إلى تلك العلامة على ذراعه، نفس العلامة التي رأيتها على ذراع (علي) في السابق، ثلاثة خطوط قصيرة، مائلة، ومتوازية من الشعر الداكن تظهر بوضوح على باطن ساعده قريبا من الرسغ ... شعرت بالتوتر والقلق يعصفان بباطني، وبتلك القشعريرة الباردة تزحف على ظهري، كيف يمكن لتلك العلامة أن تظهر هكذا فجأة على ساعده، رغم أنها لم تكن موجودة منذ دقائق قليلة  ... هناك بالتأكيد شئ غير طبيعي فيما يحدث هنا ... شئ خارق لقواعد الطبيعة والمنطق، أحتاج الآن للتفكير ومحاولة ربط الأحداث والوقائع ببعضها بعضا ... أرى (أحمد) وقد جاوز الباب إلى الخارج ويشير لي كي ألحق به.
في تلك اللحظة كان (أمير) و(حسام) في حالة يرثى لها، بعد أن التهبت أعصابهما من تلك الخبرة المخيفة التي مرا بها منذ لحظات، فأصبحا يتحسبان حدوث ما هو أسوء وكان هذا كفيلا بأن يجعل الصوت المفاجئ لأي طائر ليلي أو لتحطم غصن جاف كافيا لجعلهما يثبان لأعلى أو يسقطان على الأرض في ذعر، قبل أن يتبادلا النظرات وتنطلق الضحكات العصبية المتوترة ... كانا الآن يسيران في غابة صغيرة من الأشجار الوارفة، قال (أمير) وهو يحاول دفع نفسه وزميله للتفكير في شئ آخر:
-    أي نوع من الأشجار تلك؟
-    أنا لست خبيرا، لعلها أشجار مانجو.
-    أظن أننا لو سرنا في هذا الاتجاه الموازي لحقل الذرة سنصل إلى الطريق المعبد حيث تركنا السيارة.
سأله (حسام) وقد ظهرت أمارات القلق على وجهه:
-    هل مفتاح السيارة معك؟
ضرب (أمير) جبهته بيده، وهو يقول:
-    (أخ) ... لقد نسيت أن آخذه من (أحمد).
أطلق (حسام) ضحكة ساخرة، عصبية، وهو يردف:
-    هذا يعنى أننا سنبقى في العراء حتى لو نجحنا في الوصول للسيارة.
ثم زفر في حدة، وهو يقول:
-    ليتنا قررنا البقاء مع الآخريين.
كان (أمير) يدرك أن (حسام) كان محقا دون أدنى شك، هو أيضا خالجته نفس الفكرة، قبل أن يدفعها في عناد و هو يقول:
-    نحن لا نعرف ماذا حدث لهم؟.. من الممكن...
قاطعه صوت (حسام)، وهو يشير بسبابته قائلا:
-    انظر!
فأمامهما وعلى مسافة عشرة أمتار كانت هناك مظلة بدائية مصنوعة من الغاب (البوص) والأحبال المجدولة، يرقد تحتها شخص وقد تغطى تماما حتى رأسة ببطانية من الصوف الإنجليزي الخشن،  وكان أمامه (شلية)، يبدو أن نارا كانت تشتعل بها منذ لحظات، فما زالت آثار الدخان تتصاعد منها، وهناك براد قديم كان قد حال تماما إلى اللون الأسود، وبعض الاكواب التي تحوي بقايا شاي، وبجانب هذا الشخص تستلقي في وضع حميمي بندقية عتيقة من ذلك النوع النادر الذي لا تراة إلا مع الخفر في القرى المصرية والذي غالبا ما يتعطل عندما تحتاج إلى استخدامه وهو شئ نادر الحدوث عندما تكون خفيرا كل مهمتك هي أن تنام ليلا وأنت تحرس مكانا يزهد اللصوص في سرقته.
للحظات تبادل (حسام) و(أمير) النظرات قبل ان يقول الأخير:
-    ما هذا؟
-    يبدو أنه خفير يحرس هذا الحقل، إنه فرصتنا للخروج من هنا.
كانا قد اقتربا من المظلة، فصاح (حسام):
-    السلام عليكم.
ولكنه لم يتلق ردا!.. فكررها أكثر من مرة، وشاركة (أمير) في ذلك وكانت النتيجة نفسها، قال (حسام) وهو يقترب من الشخص النائم:
-      يبدو أن نومه ثقيل.
تبعه (أمير) في حذر وهو يقول بطبيعته المتشائمة دائما:
-    أو أنه ليس نائما.
التفت إليه (حسام) متسائلا، فأردف:
-    قد يكون ميتا.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه (حسام)، فاستدرك (أمير) قائلا:
-    أو مخدر، أنت تعرف هؤلاء الذين يعملون في أعمال ليلية طويلة، معظمهم يتعاطون المخدرات قتلا للملل، أو لتساعدهم على البقاء مستيقظين.
-    فتكون النتيجة هي أن ينام نوما ثقيلا، كأنه دب في فترة ثباته الشتوي!
قالها (حسام) ساخرا، ولكنها وجدت صدى في نفس (أمير) المتشائمة، وبدأت بعض الخواطر تهاجمه، ماذا لو لم يكن الراقد تحت هذه البطانية رجلا؟ ماذا لو كان شيئا آخر؟ شيئا مرعبا ... كان (حسام) في تلك اللحظة منحنيا وهو يهز الشخص محاولا إيقاظه، وهو يقول:
-    يا حاج.
 ولكنه لم يتلق أجابة أو أي رد فعل في تلك المرة أيضا، فنظر إلى (أمير) وهو يمط شفتيه في دهشة ... بادله (أمير) الدهشة المختلطة بالخوف والتوجس، وهو يقول بكلمات مرتعدة غير واضحة المعالم:
-    كن حذرا!
انتبه (أمير) إلى أن التربة تحتهما أكثر رطوبة من المعتاد، فانحنى على ركبتيه وتحسس بأصبعيه التربة التي كانت غارقة في سائل لزج ... أخذ (أمير) ينظر بإمعان إلى ذلك السائل الذي لوث اصبعيه ... هل هو بقايا شاي؟..  كانت الإضاءة خافتة لا تسمح له بالتعرف على ذلك السائل الداكن، اللزج ... وفجأة قفزت الإجابة إلى عقل (أمير)، إنه يعرف ماهية هذا السائل؟.. في تلك اللحظة كان (حسام) يمد يده ويمسك بطرف الغطاء توطئة لرفعه عن هذا الشخص النائم، حاول (أمير) منعه قائلا:
-    توقف ، إنه غارق في الدماء!
ولكن (حسام) كان الأسبق بسحب الغطاء ليكشف ما كان يخفيه تحته من حقيقة مرعبة جاوزت كل خيال ... كان ما وجداه بشعا ومرعبا وأيضا غير متوقعا ولا منطقيا ... أخيرا صدقت توقعات (أمير) المتشائمة، فقد كشف رفع الغطاء عن جثة بشرية ممزقة، اختفت منها أجزاء من الفم والرقبة ونصف الصدر، وكأن حيوانا مفترسا كان قد تناول عشاء دسما في تلك الليلة، كانت الجثة غارقة في بحر من الدماء الدافئة اللزجة ... كل هذا كان مرعبا بما يكفي لتحطيم أعصابهما تماما، ولكن ما جعل هذا الرعب يفوق كل خيال هو أنهما يعرفان صاحب هذه الجثة، يعرفانه حق المعرفة، بل وأكثر من ذلك كانا يتحدثان معه منذ دقائق قليلة فقط!.. فصاحب الجثة كان صديقهما (علي).
(انتهى الجزء الرابع ويليه الجزءالخامس) 
قصة رعب بعنوان ... (البيت – الجزء الخامس)
قلت له وقد ارتسمت ملامح الدهشة على وجهي:
-    أنا لا أفهم!.. هل هو (علي) نفسه!؟.. ألم يكن معك في ذلك الوقت أنت و(أحمد)، في تلك المغامرة داخل ذلك البيت.
ابتسم في مرارة، وهو يقول:
-    بلى، ولكنه لم يكن هو نفسه.
-    ماذا تقصد؟
-    لا تستبق الأحداث ... ستعرف كل شئ في حينه ... دعنا نكمل باقي القصة.
قلت وأنا أهب واقفا:
-    استميحك عذرا، سأذهب إلى دورة المياة أولا، فأنا اشعر أن مثانتي على وشك الانفجار.
أومأ برأسة، فتوجهت إلى الباب، وأنا أقول معتذرا:
-    خمس دقائق فقط، وأعود بعدها لنكمل القصة.
***
سبقني (أحمد) إلى خارج البيت عبر الباب، فتوجهت للحاق به، فانغلق الباب!. التأم الشق في ثانية واحدة وعاد الجدار مصمتا كما كان!.. هكذا ببساطة أصبحت وحدي في الداخل، محتجزا، ولا أملك سبيلا للخروج ...  لم أكن قد تجاوزت ذلك الخوف والتوتر بسبب تلك العلامة التي رأيتها على ساعدي صديقي، ولكن مع احتجازي هنا في الداخل تحول ذلك الخوف والتوتر إلى حالة من الرعب الهستيري ... حاولت فتح الباب مجددا بكل الوسائل ولكن دون جدوى أيضا كالمرة السابقة، انتبهت إلى أن الشق المواجه قد صار مفتوحا مرة أخرى، توجهت إليه بداعي اليأس رغم أنني أعلم من قول (أحمد) أنه لم يجد شيئا داخله في المرة السابقة ... ولكن الحقيقة أن (أحمد)كان يكذب عندما قال ذلك! فالمكان لم يكن خاليا تماما! ففي منتصفه كانت هناك تلك الجثة الغارقة في بحر من الدماء وقد التهم شيئا ما ذراعها وجزء من كتفها ... بالفعل (أحمد) كان يكذب علي عندما أخبرني أنه لا شئ في الداخل!..ففي الداخل كانت هناك جثة ... جثة (أحمد) شخصيا!
كيف حدث هذا؟.. كيف أعثر على جثة (أحمد) ممزقة وقد كان معي منذ ثوان قليلة حتى تركني وغادر المنزل؟.. وهل لهذا علاقة بتلك العلامة الغريبة التي رأيتها على ساعده وعلى ساعد (علي)؟.. وماذا عن ذلك البيت الذي يبدو عتيقا من الخارج، ويبدو كبئر فسفوري بجدران منزلقة من الداخل؟ ... أسئلة منطقية تحتاج لعقل واع، متزن، حتى يجد بينها رابطا منطقيا، أما عقلي أنا فقد غاب في تلك اللحظة وراء تلك الحالة التي أصابتني ... حالة من الرعب الشديد، رعب يفوق عن أي رعب شعرت به  في السابق، رعب لم يكن جسدي قادرا على احتماله، فأصاب الشلل كافة أعضائه، ما عدا حنجرتي التي تواصل الصراخ إلى مالا نهاية ... وكأن كل هذا الرعب ليس كافيا، وكأن القدر يخبأ لي ما هو أسوء في تلك الليلة، فعلى بعد أمتار قليلة من مكاني اختلج الجدار وازداد لمعانه في بقعة محددة، قبل أن ينفصل عنها ذلك الكائن الشبيه بالدب، ويقترب مني في خطوات ثقيلة ... لا لم يكن دبا!.. إلا لو كان هناك نوع من الدببة ترتدي ملابس فسفورية لامعة وتمشي على قدمين طوال الوقت، وتلمع أعينها بلون أخضر مضئ ... هو كائن عملاق، يناهز طوله الثلاثة أمتار، يغطي رأسه وجسده فراء كثيف داكن، يمتلك فك عملاق يبرز منه نابين سيفيين، ويمتلك أنفا أفطس وأذنين صغيرتين على جانبي رأسه ... هناك بالفعل شبه بينه وبين الدب الأشهب، أو  ذلك الكائن الأسطوري المسمى (بالمستذئب) ... في الواقع كلها ملاحظات لا تهم الآن، ما يهم هو أنه كائن مرعب يقترب مني، وهو الآن على بعد خطوات من مكاني، وسيفعل بي بعد قليل ما فعله (بأحمد) وجثته الممزقه هناك ... سؤال واحد يعتمل في ذهني في تلك اللحظة ... لماذا لا أغيب عن الوعي؟.. لماذا يصر عقلي اللعين على أن يجعلني شاهدا على تلك اللحظات القاسية!؟.
كنت قد توقفت عن الصراخ منذ لحظات، وكأن حنجرتي قد أصابها الشلل هي أيضا ... كنت عاجزا عن الحركة وقد أقعيت على ركبتي في انتظار المصير الذي يحمله لي ذلك الكائن، القبيح، المرعب، الذي صار الآن أمامي تماما ... مد ذلك الكائن كف مخلبيه بحجم إطار السيارة ووضعها على رأسي فأصابتني منها صاعقة كهربية هائلة ... أخذ جسدي يرتج متألما، أشعر باللعاب يسيل من فمي، وبعضلاتي تتيبس داخل جسدي، وبأن هناك من يعتصر عقلي ... كان الألم رهيبا لا يمكن احتماله وكأن هناك من يسحب الروح من داخل جسدي ... وأخيرا غبت عن الوعي.
كان رد فعل (أمير) مباشر وسريع، فقد انطلق يعدو وهو لا يلوي على شئ، ولحق به (حسام) بعد ثانية واحدة وأصبح يجري إلى جانبه، وصورة (علي) وجسده الممزق لا تفارق مخيلتهما ... قال (حسام) بكلمات متنافرة وسط اللهاث:
-    ماذا سنفعل الآن؟
لم يكن (أمير) في حالة تسمح له بالرد، كان عقله يواصل إصدار أوامره لقدميه بالعدو، هو سيظل يعدو حتى يصل إلى مكان آمن أو تتمزق رئتيه وتنفجر عضلة قلبه وهو يحاول ... نادى عليه (حسام):
-    (أمير) ... هل تسمعني؟
في تلك اللحظة قفز عليهما ذلك الكائن المرعب من بين الأشجار فأسقطهما على الأرض وتدحرج كل منهما في اتجاه، هب (أمير) بسرعة فوجد صاحبه بين براثن ذلك المخلوق المرعب ذو الفراء ... صرخ عليه (حسام):
-    النجدة ... ساعدني يا (أمير).
ارتعشت قدما (أمير) وتردد لحظة فيما عليه أن يفعل، ولكن نظره واحدة إلى ذلك الكائن العملاق الشبيه بالدب وعيناه الزجاجيتين اللتان تضيئان بلونا أخضر، جعلته يستدير وينطلق هاربا من المكان، وهو يتمتم بكلمات لا يسمعها سواه:
-    آسف يا صديقي ... لا استطيع!
ثم انهمرت الدموع من عينيه، وهو يواصل العدو بين أشجار ذلك الحقل وظلمته.
عندما استعدت الوعي كنت مسجا على الأرض وذلك الكائن ملقا بجانبي وعلى مسافة قريبة مني، نهضت بسرعة وأنا أتحسس جسدي، وأتسائل، هل هو بخير؟ هل هناك جزء ناقصا منه؟.. وعندما وجدته سليما دون نقص، تعجبت، لماذا لم يفترسني هذا المخلوق كما فعل مع صاحبي؟ هل زهد في طعمي؟.. ولماذا هو ملقا على الأرض هكذا؟.. هل هو ميت أم غائب عن الوعي؟.. كان باب الغرفة مفتوحا فأسرعت بالخروج منه، ولحسن الحظ كان باب البيت أيضا كذلك، فانطلقت أعدو ناحيته وأنا أتوقع أن ينغلق بين لحظة وأخرى، ولكن هذا لم يحدث ووجدت نفسي خارج البيت أخيرا في الهواء الطلق... على مسافة ليست بعيدة وقف (أحمد)، ومعه (علي) كجلمودين من الصخر، وعندما انتبها لخروجي التفتا ناحيتي بهدوء، وقال (أحمد) جملة بلغة غريبة، لم أفهمها ... المشكلة ليست فقط في أن اللغة غير مفهومة ولكن ايضا في الصوت الذي خرج من فمه، والذي كان عجيبا للغاية، يذكرك بقرقعة المعادن أو باحتكاك معدن بسطح أملس، كان الصوت غير بشري، كان أمرا شديد الوضوح ولا يحتاج للكثير من الذكاء، لذا كان تساؤلي غير مبررا، وأنا أقول:
-    ماذا تقول؟
تبادلا نظرات مندهشة، ثم بدءا يتوجهان ناحيتي، قبل أن يقول (علي) بلغة مفهومة وصوته الطبيعي ولكنه بلهجة غير مقنعة:
-    (محمود)! ... أنت بخير؟ لقد شعرنا بالقلق عليك.
كانت المسافة بيني وبينهما قد صارت أقصر، عندما أخذت القرار الوحيد الصحيح في هذه الليلة، عندما استدرت على عقبي وبدءت الهرب عدوا إلى داخل حقل الذرة وفي الاتجاه الذي ظننت أننا قد جئنا منه ... حاولا ملاحقتي لثوان ثم توقفا، أكملت أنا طريقي حتى جاوزت الحقل وخرجت منه في مكان قريب من السيارة، تنهدت وشعرت بالقليل من الراحة عندما وصلت إليها، السؤال ماذا علي أن أفعل الآن؟.. هنا قبضت تلك اليد الخشنة على كتفي، فصرخت بعنف، وأنا أدفع بيدي يمينا، ويسارا ذلك العدو الذي يحاول النيل مني، قبل أن انتبه إلى صوت (أمير) وهو يحاول تهدئتي، لقد نجح هو الآخر في الوصول إلى السيارة ... لعشرة دقائق كاملة تبادل كل منا قصته مع الآخر، ولم يفتني أن أفحص ساعديه، قبل أن أقول بصوت حزين:
-    إذا فقد فقدناهم جميعا!
قال (أمير) وعلى وجهه آثار الحزن والكآبة:
-    نعم لقد تخلينا عنهم وتركناهم فريسة لتلك المخلوقات الكريهة!
أنا لم أفعل ذلك، ولكن الوقت ليس مناسبا لآن أوضح (لأمير) أنه هو الذي فعل ذلك وحده وتخلى عن صاحبه (حسام)، وبخاصة أننا قد نلحق بأصدقائنا بعد قليل، عندها لن يكون هناك فائدة للتلاوم.
-    ماذا نفعل الآن؟
قالها (أمير)، فأجبته ببساطة:
-    يمكننا أن نكسر زجاج السيارة، ونبحث في (شنطتها) عن أي شئ يمكنه مساعدتنا، بالتأكيد سنجد فيها شيئا يساعدنا في محنتنا، وقد نجد بها سلاح، (جرينوف) أو (عوزي) أو أي شئ آخر، أنا أعرف (أحمد) رحمه الله، كان يحتفظ بكل شئ في (شنطة) سيارته.
قلتها وتهدج صوتي بعد أن ذكرت لقب (المرحوم) بعد اسم (أحمد) بعفوية ... قال (أمير) بلهجة عملية:
-    حتى لو وجدنا بارجة حربية، ما الفائدة؟ أنا لن أعود لمواجهة تلك الكائنات أبدا!
-    ولا أنا، هذا لن يرجع لنا أصدقائنا.
قلتها ثم أردفت:
-    ما سنجده فيها سيكون عونا لنا في محاولة الهرب ... سنحمله معنا ونحن نسير على هذا الطريق حتى نصل إلى منطقة مأهولة.
أومأ (أمير) براسه، ثم انحنى ليجلب حجرا من على الأرض ليكسر بهالزجاج، قبل أن ينتبه إلى عيني اللتان جحظتا وكادتا تخرجان من محجريهما، وهما مثبتتين على شئ ما وراءه، فالتفت في ذعر إلى الخلف، فرأى أصدقائنا الثلاثة يقبلون علينا من ثلاثة زوايا، محاصرين أيانا في المركز ...  الجميل أنهم لم يكونوا وحدهم، بل كان معهم مخلوقين من تلك المخلوقات الدبية، أحدهما ضخم والآخر أكثر ضخامة ... لم يفتني تلك العلامة على ساعد (حسام) وكان أقربهم من مكاني، فقلت:
-    ماذا تريدون منا أيها الملاعين؟
قال (علي) بلهجة تقريرية:
-    لا داعي للمقاومة ... أنتما تعرفان ما سيحدث.
صرخ (أمير) بكلمة واحدة:
-    لا!
ثم انطلق يعدو محاولا الهرب كعادته في المواقف المشابهة ... وما أن تجاوز الحصار وابتعد لعدة خطوات، حتى فوجئت بذلك الكائن الضخم يقفز قفزة هائلة تتجاوز العشرة أمتار ليحط فوق أمير ويسقطه على الأرض وسط صرخاته واستجدائاته، قبل أن يثبته على الأرض ويضع يده المخلبية على رأسه لتبدء الرعشة المجنونة، أنا أعرف هذا الشعور فقد جربته منذ قليل، لقد أخذ المسكين يرتعش ويرتج بقوة بين براثن هذا الوحش لدقائق ... صرخت محاولا مساعدته فأمسك بي الثلاثة بقوة هائلة وثبتوني على السيارة، قبل أن يقول (حسام) بلهجة ساخرة وهو يشير إلى الكائن الأضخم الذي يقف في الناحية الأخرى:
-    انتظر ... تركنا لك الأفضل للنهاية!
يبدو أن الموت لم يفقد (حسام) أسلوبة الساخر المتهكم!.. انتبهت إلى أن (أمير) قد توقف عن رعشته المجنونة، فابتعد عنه الكائن للحظة ثم رفعه من على الأرض، ثم قضم قضه هائلة من رقبته، لاكها ببساطة بين أسنانه ثم ابتلعها وطوح بجسد المسكين جانبا ... قبل أن يبدء جسده في التحور متخذا شكل (أمير) حتى صار نسخة منه، إلا من تلك العلامة التي ظهرت على ساعده هو أيضا ... اقترب مني هذا الكائن، وقال بصوت (أمير) وبأسلوبه:
-    لن تتألم كثيرا ياصديقي (محمود).
حينها خلى الجميع عن جسدي وتنحوا جانبا واقترب مني ذلك الكائن العملاق، لم أحاول أن أهرب أو أقاوم في هذه المرة، فالهرب ليس خيارا متاحا مع كائنات كهذه... سيكون علي أن ألحق بأصدقائي, عندها ستنتهي معاناتي في تلك الليلة ... مد الكائن يده الضخمة ووضعها على رأسي فشعرت بذلك التيار الكهربي يسري في جسدي مرة أخرى ولكن ليس بقوة المرة السابقة، الأغرب كان ذلك الانفجار المكتوم الذي أطاح بي وبهذا الكائن وأسقطنا على الأرض، استطعت أنا أن أنهض بصعوبة، ولكن الكائن لم يستطع وظل مسجا على الأرض وكأنه فارق الحياة ... حالة من الجنون انتابت تلك الكائنات التي تشبهت بأصدقائي، بدا ذلك من أصوات القرقعة التي تنبعث فيما بينهم والعصبية التي كانوا يتحاورون بها ... في تلك اللحظة وصلت وسيلة نجدتي، شاحنة كبيرة تضئ مصابيحها الظلام، وتقترب في سرعة من موقعنا، أخذت ألوح لقائدها بجنون، حتى ضغط على المكابح فتوقفت الشاحنة على بعد خطوات قليلة من موقعي، بحثت عن تلك الكائنات فوجدتها قد اختفت, بعد أن حملت معها صاحبها الذي كان غائبا منذ لحظات وكذلك جسد (أمير) المسكين ... فتحت باب الشاحنة، فقال لي قائدها:
-    هل تعرف الطريق، أنا تائه؟
ابتسمت وأنا أصعد إلى جانبه:
-    وأنا ايضا، ولكن دعنا نبحث عنه سويا، المهم أنه علينا أن نتحرك من هنا وبسرعة.
..(انتهى الجزء الخامس ويليه الجزءالسادس والأخير)..



قصة رعب بعنوان ... (البيت – الجزء السادس)
قلت له:
-    وماذا حدث بعد ذلك؟
-    استطعنا الوصول إلى قرية قريبة، تركني فيها صاحب الشاحنة وغادر بعد أن استدل من أهلها على الطريق.
-    ولماذا لم تغادر معه؟
بدا الحزن على وجهه، وهو يقول:
-    وكيف أغادر وأترك أصدقائي؟ كان علي أن أجلب الشرطة وأعود معها للبحث عما تبقى من أجسادهم ... عاونني أهل القرية وعمدتها الذي اتصل بالمركز وأخطرهم بأن هناك حادثة على الطريق راح ضحيتها أربعة من الشباب.
-    وماذا حدث بعدها؟
-    وصلت الشرطة بعد ساعات ، كان نور الصبح قد بذغ، وهذا سهل علينا الوصول لمكان السيارة ... انتشرت بعدها قوات الشرطة للبحث في المنطقة حتى عثرت على أجزاء من أجساد أصدقائي الممزقة، مكومة على مسافة ليست بالبعيدة... أجزاء بسيطة، ذراع، أصبع، أذن، قدم، بعض الأعضاء الداخلية، إضافة إلى ملابسهم الغارقة في الدماء.
سألت بفضول:
-    وهل وجدوا البيت؟
توقف للحظة، ثم قال بضيق وعصبية:
-    لا لم يجدوه ... وجدوا مكانه بقعه خالية من الأرض البائرة.
-    والكائنات؟
-    أيضا لم يجدوا لها أثرا.
توقف للحظة أخرى، ثم قال بمرارة:
-    وهكذا كان طبيعيا أن يوجهوا لي الاتهام، باعتباري سفاح استدرج بعض أصحابه لهذا المكان، ومزقهم شر ممزق.
زادت مرارته وعصبيته، وهو يقول:
-    وكان طبيعيا أيضا ألا يصدقوا روايتي، ويعتبروا صاحبها شخصا مجنونا وشديد الخطورة، ويلقوا به إلى هذا الجب ليأتي شخصا مثلك لتقييم حالتي، حتى يستطيعون اتخاذ القرار المناسب، الإعدام، أو الاحتجاز حتى آخر العمر في عنبر الخطرين في مشفى الأمراض العقلية.
سألته:
-    وماذا عن الطب الشرعي؟
صدر عنه ضحكة متهكمة، وهو يقول:
-    لقد كانوا بارعين بحق، الأجزاء التي وجدوها كانت فعلا من أجساد أصدقائي الأربعة ولكنها كانت أجزاء بسيطة قطعت بآلة حادة ولا تتجاوز نسبة الخمسة في المائة منها، أما بقيتها فلم يجدوها ولا يستدلوا على مكانها ...
-    وأين تظنها إذا؟
حدق في وجهي لحظة، ثم قال باستنكار:
-    ألم تفهم بعد؟.. تلك الكائنات تتغذى على أجساد البشر بعد أن تمتص ذكرياتهم وأفكارهم وتتمثل بأجسادهم.
-    من أين أتت تلك المخلوقات؟
أشار بسبابته إلى أعلى، دون أن يضيف كلمة أخرى ... أخذت أفكر للحظة، ثم قلت:
-    أتعلم؟
-    ماذا؟
-    أنا أصدق قصتك؟
بدت أمارات الفرحة على وجهه، وهو يقول:
-    هل أنت متأكد؟
-    أجل؟
ثم أردفت، وأنا أخرج مفتاح من جيبي:
-    وسأحل قيودك أيضا، فأنت لست مجنون!
كانت الدهشة قد ارتسمت على وجهه مختلطة بالفرح وعدم التصديق، وهو يقول:
-    هل كان مفتاح القيود معك كل هذا الوقت؟
-    لا لقد أخذتها من الممرض منذ قليل.
-    وهل أعطاها لك بسهولة؟
-    اقنعته بذلك.
توقف للحظة وهو يفكر، قبل أن يقول:
-    وماذا الآن؟
-    يمكنك أن ترحل الآن ... لا تثريب عليك.
حدق في وجهي للحظة أخرى، ثم توجه مسرعا إلى الباب وغادر الغرفة ... لحقت به وعلى وجههي ابتسامة رضا ... سمعت تلك الصرخة التي توقعتها تنبعث من البهو ... فتوجهت إليه وابتسامتي تتسع ... وعندما وصلت إلى البهو كان (محمود) متكوما على نفسه في ركن منه وهو يرتعش وسط بقع الدماء التي غطت الأرض والجدران، دماء ذلك الممرض الغليظ الملامح، وهو ملقا في وسط البهو بعد أن تمزق جسده، وإلى جواره جسد آخر ممزق، كان صاحبه يرتدي معطف طبي، الغريب أن ملامحه تطابق ملامحي تماما! وعلى جسدهما عكف أربعة من تلك الكائنات الدبية، المتوحشة يمزقون أجزاء منها ويلتهمونها في شغف الضواري ... قبل أن يتوقفوا ويلتفتون إلي، ثم يبدؤن جميعا في التحور إلى أشكالهم البشرية، (علي)، (أحمد)، (حسام)، و (أمير) ... تجاوزتهم إلى (محمود) الذي تكوم على نفسه أكثر وهو يرتعد في هستيريا ... نظر لي نظرة مذعورة ومستنكرة، فقلت له وأنا أرفع كم قميصي لتظهر على ساعدي تلك العلامة التي كان يتحدث عنها طوال الوقت، قبل أن أشير إلى جسد الطبيب المسجي:
-    لقد وعدك أن يكون محايدا وهو يستمع لروايتك ويخبرك برأيه في النهاية، لم يكن يعرف أنه لن يكون موجودا ليستمع إلى نهايتها ...يمكنني أن أفعل ذلك بدلا منه ... هل يريحك أن أقول لك أنني أصدق روايتك؟ ... أصدق كل حرف فيها.
توقفت للحظة، قبل أن أردف وأنا اقترب منه أكثر:
-    قد تظن أننا نتمثل في أشكال البشر ونحاول أن نقلدهم ... هذا ليس دقيقا ... فنحن ننسخ أرواحهم، وأفكارهم، وذكرياتهم، وحتى قدرتهم على الدعابة ومشاعرهم، وعندما يصبح الواحد منا في شكل واحد منهم فإنه يصبح كأنه هو في كل شئ ... ولا أخص بذلك البشر فقط بل أتحدث أيضا عن كافة الكائنات.
ثم أشرت بسبابتي إلى أعلى، وأنا أقول:
-    ويستطيع الواحد منا أن ينسخ إلى نفسه مئات الكائنات، التي تصبح جزء من كيانه وطبيعته، بل أن سلوكه وطباعه يتأثران بها أيضا.
كنت قد صرت أمامه تماما، فانحنيت حتى صارت عيناي في مواجهة عينيه، فصرخ بجنون:
-    وماذا تريدون مني الآن؟
أجبته ببساطة:
-    في الواقع أن حالتك خاصة للغاية ... فقد فشلنا مرتين في محاولة نسخك، بل أن المحاولة تسببت في قتل أثنين من فريق الاستطلاع الذي أقوده ... نحن نحتاج إلى دراستك وبشدة، حتى لا تتكرر تلك المشكلة البسيطة، عندما نأتي إلى كوكبكم بأعداد غفيرة.
..(تمت)..