السبت، 11 نوفمبر 2017

القرية (الجزء الثاني)

قصة رعب بعنوان ... (القرية – الجزء الثاني)
ملخص ما سبق ... شاب يعمل في توصيل الطرود، يجد نفسه في مهمة عمل لتوصيل طرد غامض إلى قرية مجهولة في منتصف الصحراء، قبل أن تتعرض سيارته لحادثة مريبة كان بطلها شبح أسود ظهر فجأة أمامه في منتصف الطريق، جعلته تلك الحادثة مضطرا للإقامة يومين في تلك القرية، بين أهلها الودودين، المرحبين، لولا ذلك الطفل القبيح، الأعور، الذي يفاجأه في غرفته ... رابط الجزء الأول
...
 شعرت بالتوتر وأنا أحدق في ذلك الطفل الذي يجلس على فراشي عابثا، وهو ينظر لي تلك النظرات المرعبة، أتساءل كيف وصل إلى هذا المكان؟ وكأنه ظهر من العدم فجأة، لقد كنت منتبها إلى باب الغرفة طيلة الوقت، كيف فعلها!؟
-          ماذا تفعل هنا أيها الصغير!؟ ما الذي جاء بك إلى هنا!؟
نظر لي بعينه الواحدة دون اكتراث، ثم التفت والتقط روايتي البوليسية التي كانت ملقاة على الفراش، فصحت به آمرا بصوت حاولت أن أجعله حازما، فخرج مرتعدا، خائرا:
-          اترك هذه أيها الصغير، وعد إلى غرفتك فورا.
ألقى الطفل الرواية على الأرض، وتوجه إلى خارج الغرفة بخطوات عرجاء، وهو يركز عينه الواحدة على وجهي ... تنحيت جانبا حتى أسمح له بالمرور إلى الخارج، لا أعرف لماذا شعرت بتلك المشاعر السلبية، الباردة، تكتنف أوصالي عندما مر ذلك الطفل بجانبي، مشاعر غريبة، مختلطة، برد يثير الرعدة في جسدي، ويأس، وحزن، وكآبة، يسيطرون على باطني، شعور استمر حتى غادر الطفل الغرفة واختفى في الممر.
-          هذا الطفل ليس طبيعيا!
نطقت بها وأنا التقط الرواية من على الأرض، قبل أن أصرخ بفزع:
-          اللعنة!
فعلى غلاف الرواية كانت هناك آثار احتراق تلتهم ورقته ... آثار احتراق تمثل خمسة أصابع ... أصابع طفل!
***
تنحرف السيارة بقوة، وأفقد السيطرة عليها وهي تندفع نحو التلة الرملية وتصطدم بها بعنف، يرتطم رأسي بالمقود، فتزوغ المرئيات أمام ناظري، أشعر بأني موشك على فقدان الوعي، يقترب ذلك الشبح الأسود من السيارة بخطوات بطيئة، إنه مغطى من رأسه حتى إخمص قدميه برداء أسود يعلوه غطاء رأس يخفي وجهه بنفس اللون، يحدق في من خلف غطاء الرأس عبر زجاج السيارة المحطم، قبل أن يرفع الغطاء عن رأسه فتتكشف معالم وجهه المرعبة ... سحقا ... ما هذا الكائن المرعب!؟ الذي يحدق في بعينين بلون الجمر، بمعالم وجه كقطع من الفحم المشتعل المتراصة إلى جوار بعضها، ويبرز من شقوقها خيوط من النار والدخان.
يتحدث إلى ذلك الكائن بصوت رغوي، معدني، كأنه يخرج من مكبر صوت، أو من أعماق بئر عميق:
-          مرحبا ... لقد انتظرناك لأعوام طويلة!
أصرخ بقوة واعتدل في فراشي، وأنا ارتعد بشدة، وقد غطى العرق كل ذرة من كياني، ما هذا الحلم الرهيب!؟ هل كان حلما حقا!؟ أم هي ذكرة غامضة أخفاها عقلي الواعي رحمة بي، وأعادها عقلي الباطن، العابث إلي في نومي ... هل هذا ما تعرضت له حقا بعد الحادثة، وقبل أن أغيب عن الوعي!؟ أم هي مجرد خيالات ملعونة ... التقطت كوبا من الماء البارد من فوق الكومود إلى جوار فراشي، وتجرعته مرة واحدة، ثم عدت إلى النوم، وأنا أدعو الله ألا أرى ذلك الحلم مرة أخرى.
***
 في الصباح مر علي الشيخ (حسان) ليصحبني فيى جولة في القرية، سألته عن هاتف استطيع أن أتحدث به إلى المدينة، فاعتذر لي بأنه لا يوجد هاتف في القرية بأكملها، كما أن أبراج المحمول لم تعرف طريقها إلى هذا المكان أبدا، قبل أن يسألني:
-          هل تريد أن تطمئن أهلك؟
فأجبته بنبرة حزينة:
-          لا ... أنا يتيم بلا أهل ... يقولون أنهم عثروا علي رضيعا أمام أحد الملاجئ، حيث عشت، وترعرعت، بين دور الأيتام، حتى حصلت على شهادتي المتوسطة، وتمكنت من العثور على عمل استطيع به أن أبدء حياة جديدة، مستقلة، وأقيم في غرفة متواضعة بإيجار معقول.
أنا لست منفتحا على الناس بطبعي، وعادة لا أحكي قصة حياتي لأي إنسان أقابله مرة أو مرتين، لهذا وجدت الأمر غريبا وأنا أخبر الشيخ (حسان) بكل تلك المعلومات عن نفسي:
قال الشيخ (حسان):
-          أنا آسف يا بني ...
-          لا داعي للأسف، تلك هي حياتي، وقد اعتدتها، ولم أعد أراها بذلك القبح.
صمت للحظة، ثم أردفت:
-          كنت أريد الهاتف لأخابر رئيسي في العمل وأعلمه بما جرى، حتى لا يجد غيابي فرصة ليرفدني من العمل ... فهو شخص كريه، يحلو له مضايقة الناس ورفدهم لأتفه الأسباب.
***
كانت الجولة في القرية قصيرة، فالقرية صغيرة، ولا يوجد بها الكثير من المعالم، قمنا في البداية بعدة زيارات لكبرائها الودودين في منازلهم، وشربنا درزينة من أكواب الشاي والعصير، وأطباق الحلوى ... ثم مررنا على مرعى الأغنام والماشية، وباحة الأبل، وحديقة النخيل، وانتهينا إلى عين الماء ... ولكن ما أثار دهشتي حقا، هي تلك الشجرة العملاقة القريبة من العين، شجرة ضخمة، محيط جذعها يربو على الخمسة أمتار، تمتد جذورها وتشق الأرض في مواضع كثيرة مكونة شبكة عملاقة حولها، أما فروعها فتتدلى من أعلى حتى تمس الأرض، التي تغطت عن آخرها بثمار الشجرة الجافة التي سقطت عن فروعها، ثمار صغيرة جافة تشبه (النبق).
قال الشيخ (حسان) وقد تنبه إلى دهشتي:
-          إنها (أم الشعور).
-          ماذا؟
-          هذه الشجرة نسميها (أم الشعور) ... يقولون أن عمرها ألف عام، وهي هنا منذ البداية وقبل أن يصل أي إنسان إلى تلك الأرض.
قلت بانبهار، وأنا أتفحص ضخامتها وتشابك فروعها وجذورها، وثمارها التي غطت الأرض بسجادة كستنائية:
-          إنها رائعة.
-          بالفعل إنها كذلك.
توجهنا بعد ذلك إلى ورشة (الشرقاوي) ليصعقني منظر سيارتي وقد أخرجت كل ما في جوفها على أرض الورشة، طمأني هذا الأخير، بأنه لا داعي للقلق، فالسيارة بخير رغم أن منظرها يبدي غير ذلك، وبأنه سينتهي من تصليحها بعد يومين على الأكثر.
***
يوم آخر قضيته في القرية كسابقه، انتهى بي في المساء في فراشي أنازع الأفكار وأجاهد الأرق، وأحاول الحصول على قدر من النوم الخالي من الكوابيس ... قاطع كل ذلك، تلك الدقات على باب الغرفة، فكرت أنه بالتأكيد ذلك الطفل القبيح يفعلها ثانية، لقد شعرت بالحرج من أن أشكوه اليوم إلى الشيخ (حسان)، ولكن لو كان هو، أقسم بالله أن أفعلها غدا.
فتحت الباب، فلم أجد أحدا خلفه، ممدت رأسي إلى الممر ونظرت فيه، فوجدته يقف هناك في آخره يشير لي أن ألحق به، فصحت به:
-          ماذا تريد!؟
لم يجب علي، ولم يبد عليه أثر أنه سمعني من الأساس، ولكنه أشار لي للحاق به مرة أخرى، ثم توجه إلى صحن الدار ... لحقت به بعد ثوان من التردد، غلب فضولي خوفي، أريد أن أعرف سر هذا الطفل، وما الذي يريده مني بحق!
عندما لحقت بالطفل إلى صحن الدار، لم أجده هناك، ولكنني رأيت باب الدار مفتوحا، فتوجهت منه إلى الخارج، للحظة واحدة لمحت الطفل يجري ويختفي في قلب الظلام، فلحقته، سرت لمسافة ثم توقفت عندما أضعت أثر الطفل، فكرت أن أعود للدار، ولكن الطفل ظهر من جديد على مسافة ليست بالبعيدة يشير لي بنفس الطريقة أن ألحق به، وهكذا ظللت أتبع الطفل حتى وصل بي إلى عين الماء، وهناك وقف ينتظرني حتى وصلت إليه ... توقفت أمامه وسألته بأنفاس لاهثة من أثر الجري:
-          من أنت!؟ ولماذا تطلب مني اللحاق بك!؟
كعادته لم يجب الطفل على سؤالي ولكنه توجه إلى (أم الشعور)، وأزاح فروعها الممتدة، ثم جثم على الأرض بين شبكة جذورها المتشابكة، وجذب شيئا لم انتبه إليه في البداية، ولكن عندما اقتربت عرفت أنه حلقة حديدية، تفتح كوة تؤدي إلى نفق أسفل الشجرة مباشرة ... نظر لي الطفل نظرة أخيرة ثم دلف إلى النفق عبر تلك الكوة، وهو يشير لي للحاق به.
-          لا هذا كثير! أعصابي لن تتحمل المزيد!
قلتها وقد عزمت على أن أوقف تلك المهاترات، وأنا ارتد على عقبي، عازما العودة إلى الدار وإيقاظ الشيخ (حسان) من نومه لأبحث عنده عن إجابة على كل تلك الألغاز التي تحاصرني ... ولكن قبل أن أخطو خطوة واحدة في طريق العودة، وجدته يقف هناك يقطع على الطريق، ويحدق في بنظرات قاسية، مهددة، لا تحمل خيرا!.. مرة أخرى يثير هذا الطفل فزعي، ويعبث بسكينتي، لقد رأيته بأم عيني وهو يدلف إلى النفق من ثانية واحدة، فكيف به يقف أمامي الآن يسد على طريق العودة!؟ أي طفل ملعون هذا!؟
.. (نهاية الجزء الثاني – يليه الجزء الثالث) ..


#هيثم_فاروق #القشعريرة

الأربعاء، 8 نوفمبر 2017

زمكان



زمكان ( الجزء الأول )
منطقة جبلية نائية مبني شاهق عظيم شعاع ازرق يجعل السماء تسْود ثم تبْيض ثم تعود لزرقتها لم يعرف أي من سكان القري و المدن القريبة من الجبل الشاهق ما يحصل بالضبط لكنهم يعرفون إن الجبل مكان غامض
في قلب المبني الأثري الشاهق تقبع آلة عملاقة تستحوذ علي منتصف القاعة في قلب المبني تصدر وميضا يغشي الأبصار يظهر في غرفة جانبية عبر زجاج عازل رجل عجوز يبتسم في فخر و خيلاء مركزا نظره إلي الآلة
-          لقد تحقق ما سعيت له طيلة سنوات هآنذا أحقق ما عجز عنه ابرع العلماء آلة زمن
-          - نعم سيدي لقد فعلتها حقا
-          - علينا تجربتها بشكل أكثر فاعلية بحيث نتأكد من نجاحنا نهائيا
جلس العالم المدعو ألبرت مع مساعده في قلب الآلة ليستعدا لأول تجربة فعلية لآلتهم
لكنهما لم يعرفا أن آلتهم ليست بآلة زمن بل آلة تحطيم
نسيج الزمكان تحطيم هذا النسيج يفتح عوالم أخري علي عالمنا عوالم قد لا نعرف ما تحتويه
نظر الاثنان لبعضهم فلا وجود لما توقعوه وميض و أشكال غريبة حياة أخري تتسارع أمام عينيهما نيران تتصاعد ثم لا تلبث أن تتحول إلي جليد كواكب تتناثر ثم تختفي لتظهر نجوم كل تلك المشاهد رآها العالم و مساعده عبر زجاج مركبتهما أو آلة الزمن كما ظنا
-        -  يبدو أننا فشلنا لنهبط تاركين هذه الآلة لوقت اخر .
-        -  حسن يا سيدي ...
لم يلحظا تغير المبني فقد صار أكثر قتامه و كآبة سرعان ما لاحظا إنهما ليسا وحيدين هنالك شيء خفي يراقبهما أطياف تتحرك هنا و هناك و أخري تتراقص مع لهب المشاعل
-       -   انتظر من أين أتت تلك المشاعل ؟؟؟
-         -  لا ادري ..
ظهر رجل ذو ملابس غريبة يحمل فأسا حادة وهو يردد كلمات بلغة غير مفهومة تظهر عليه علامات الخوف
نظر العالم و مساعده إليه بتعجب....
---------------------------------------------------------
في مكان اخر في المدينة المجاورة كانت هناك ظواهر غريبة أرعبت السكان دوامات سحابية تصدر زئيرا حادا قويا في قلب السماء اما الأرض تشققات و تصدعات و أنواع حشرات غريبة تغزو المنازل...
البحر ثائر اغرق بعض السفن و الغابة القريبة أصبحت يابسة مهجورة من حيواناتها...
تشققات في الهواء تظهر حول الجبل يراها الجميع تخرج منها أشكال غريبة مريبة و أشباح عملاقة بعض المباني في المدن القريبة و الشاهقة منها بالذات بدأت تتمايل و تتراقص ... لون السماء يتغير إلي الأحمر و الشمس تتقلب بين السواد و الزرقة ليل و نهار في ثواني معدودة لم يعرف أي احد ما يحصل.
في الجبل وفي ذلك المبني الغامض كان العالم و مساعده المشدوه ينظران في رعب الي تلك الاطياف و ذاك المحارب الواقف امامهماستجمع العالم قواه و انسل مساعده الي الخلف باحثا عن شيء ما بينما
وجه العالم ألبرت كلماته إلي الغريب مخاطبا إياه في حزم ..
-         -  من أنت يا هذا ؟
نظر إليهما في استغراب ردد كلمات غريبة ثم قبض علي فأسه مقررا قطع رأسيهما معا.......

نهاية الجزء الأول ويليه الجزء الثاني الأسبوع القادم..........
بقلم #رضوان_عياد .

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

لارين (الجزء الاول)


قصة بعنوان #لاريــــن #الجزء_#الأول

نام على الأريكة الجلدية مكانه المفضل في غرفة مكتبه، وأنكب يراجع قضايا موُكِليه، تلك هي طريقته المفضلة التي تضمن له النجاح، مد يده اليسرى يتحسس المنضدة الرخامية حتى وجدها، أنها علبة السجائر ... لكن لسوء الحظ أنها فارغه ألقاها في صندوق القمامة البعيد الموجود في ركن الغرفة فأصاب الهدف , فصرخ أجل , قام و مد يده باتجاه المكتب لياخذ علبة الطوارئ التي يحتفظ بها لمثل تلك الحالات أخرج منها السيجارة المنشودة و بدأ يدخن، فالمحامي "منير" شخصيه فريده ومميزه يفكر كثيراً ولديه دائما خطه بديله حاضرة في مخيلته لكل المواقف , ماعدا ابتعاد زوجته "مها" عنه أخير تزوجها بعد قصة حب طويله مليئة بالأحداث الشيقة يعتمد عليها في كل أمور حياته فهي تنظم له كل شيء ، دخلت عليه زوجته "مها" فعلم أنها الساعة الرابعة و النصف بالتمام فقد طلب منها أن تنبه ليستعد للقاء السمسار العقاري الذي ساعده في شراء هذا القصر من مالكه السابق عالم النباتات المشهور.
نادى على الخادمة لتعد له فنجان من القهوة ثم نظر نحو زوجته فوجدها مشوشه حائرة على غير العادة.
- ما الأمر يا عزيزتي؟ من الذي يشغل تفكيرك؟ ما الذي يقلقك؟
- أنها "تسنيم" .... أصبحت الأمور تتطور معها بشكل مقلق، وتقضى معظم الوقت في اللعب لوحدها، تتحدث مع نفسها، وكلما سألتها مع من كنتي تتحدثين؟، تخبرني مع صديقتها "لارين".
- كل هذا طبيعي يا عزيزتي، فالأطفال في السادسة من العمر كثيراً ما يكون لهم أصدقاء خيالين ينسونهم حين يكبرون، لا داعي للقلق فالأمر طبيعي.
- لم تكن هكذا حتى انتقلنا الى هنا، فقد كان فراق أصدقائها وزملاء الدراسة صعب عليها، وما ذاد الامر سوء هو عدم عثورها على أي أصدقاء في نفس عمرها في هذا المكان.
أشعر أننا أخطأنا عندما انتقلنا الى هنا.
- أنت تبالغين في القلق قليلاً فـ"تسنيم" سعيدة بالقصر والحديقة الكبيرة المحيطة به أكثر من سعادتنا به.
أنها طفلة هادئة ورقيقه، خجولة للغاية. صارت تميل أكثر للانطوائية بعد وفات والدها منذ عامين وخصوصا أنها كانت شديدة التعلق به من الماضي.
أنت من طلبتي مني أن ننتقل من منزلكم حتى نساعد تسنيم على تجاوز مأساة موت والدها، فكل شيء هناك كان يذكرها به .... حتى أنها أخبرتك في ذات مره أنها تراه يتحرك في المنزل ويحدثها.
صحيح أني لست والدها لكني أحبها كما لو كانت أبنتي وأهتم لأمرها كثيراً وأعدك يا حبيبتي أني سأتحدث معها وسأحاول أن أجد حل لتلك المشكلة.
أحضرت الخادمة فنجان القهوة ووضعتها على المكتب وأخبرته أن السمسار قد جاء.


خرج منير من باب القصر في عصر اليوم التالي وأخذ يسير في الحديقة الشاسعة يتأمل في جمال النباتات، كانت أجمل حدائق هذا الحي السكني الراقي، فقد كان لصاحب القصر السابق ذوقاً خاصاً حتى جلب العديد من أنواع النباتات المميزة والنادرة مش شتى أنحاء العالم.
كان أجمل وأغرب وأعجب ما كن في تلك الحديقة هي شجرة البلوط الضخمة المزروعة خلف بيت النباتات الزجاجي، فلهذه الشجرة جزع في غاية الضخم والعديد فروع سميكة تمتد مته في كل الاتجاهات في قطر يعادل ملعب تنس. ويوجد حولها العديد من الأشجار الأخرى تعمل على حجب ضوء الشمس الساقط، تشعرك أنك في غابة سحرية من التي تعيش فيها الكائنات الخيالية في القصص.
ظل "منير" يتأمل الشجرة وتجويفها العجيبة تخيل أن تلك التجاويف بالشجرة في موطنها الأصلي تعشش الطيور في تلك وبالتأكيد تدب الحياة حولها، وتبعث على البهجة، لا يدري لماذا قد أشفق على تلك الشجرة وما أل اليه حالها بعد أن ابتعدت عن موطنها وصارت وحيده في ذلك المكان.
ذكرته تلك الشجرة بأبنة زوجته "تسنيم" فقد صارت الأن وحيده مثل تلك الشجرة فقرر أن يحل مشكلتهما بأن يبني لتسنيم منزل شجري على فروع تلك الشجرة لتلعب وتتسلي وتؤنس وحدة تلك الشجرة.
لا يدري "منير" كيف مر الوقت بهذه لسرعه بدأ الظلام يحل، فجأة صار الجو العم للمكان غير مريح وشعر كما لو كان أحدهم يراقبه، بدأت القشعريرة تدب فيه فقرر الرحيل، لكن أنتبه لأمر .... هناك عينان حمراء لا معتنان تحدقان به من داخل أحد هذه التجاويف في الشجرة.
لم يقف "منير" ليتبين الأمر لكنه أسرع في سيره وهو عائد نحو القصر، لكن هناك أحد ينادي ويقول
 "لابد ...أن أخرج"
 تكرر الصوت عدة مرات وفي كل مره يقترب منه مصدر الصوت أكثر، بدأ "منير" بالركض لكنه لم ينتبه لذلك الجزع الموضوع على الأرض فتعثر به وسقط، ليجد أحد ما أمسكه بقوة من يديه، تدفق الأدرينالين في دمه بقوة حتى أعجزه عن اتخاذ رد فعل مناسب لكنه هدأ عندما سمع هذا الصوت الملائكي العذب:
"أنت بخير يا عمو"
أحتاج لبعض الوقت حتى يتفهم الأمر ويستعيد قدرته على الكلام.
- ماذا تفعلين يا "تسنيم" في هذا المكان؟ لقد أخفتني كثيراً.
- أعتذر لك يا عمو لم أكن أقصد أن أخيفك لكنني كنت ألعب في هذا المكان مع صديقتي الجديدة "لاريـن" ثم رأيناك وأنت تمشي مسرعاً نحو المنزل فجرينا ورائك.
- لكن لا أحد موجود معنا هنا سواي أنا وأنت يا تسنيم.... من هي "لارين" هذه؟!!!
- لقد رحلت الآن لكنها تعيش معنا في هذا المكان، أحب اللعب معها رغم أنها أكبر مني سنناً، لكنها حزينة للغاية وتريد من يساعدها.
- أسمها مميز لابد أنها إحدى شخصيات الرسوم المتحركة التي تتابعينها، سنترك "لارين" هنا على العموم لقد قررت أن أصنع لكي بنفسي مفاجئة، أريدك أن تخرجي معي في الغد حتى نجلب العدد والأدوات الازمه لعمل تلك المفاجئة.


بعد منتصف الليل والجميع نيام، ازدادت برودة الجو وبدأ الضباب يهبط على أرض حديقة القصر، هبت "مها" من نومها فجأة ... فقد رأت كابوسا مخيفاً.
شعرت بقلق غريزي على أبنتها "تسنيم" فقامت لتتفقدها في غرفتها فلم تجدها في فراشها، على الفور أيقظت "منير" والخدم ليبحثوا عنها في القصر لكنهم لم يجدوها.
خرج منير من القصر ليبحث عنها فوجدوها تسير في الحديقة نادي عليها لكنها لم تجبه فأسرع نحوها فلما استدارت لتنظر له، أصابته الرهبة من هول ما رأى.
العينان الامعتان نفسهما يحدقان له....

نهاية الجزء ويتبع في الجزء التالي.
#قصص_منصف_عرابي

السبت، 4 نوفمبر 2017

القرية (الجزء الأول)




قصة رعب بعنوان ... (القرية – الجزء الأول)
كنت أقود سيارة العمل في منتصف (اللامكان) تماما، إذا كان هناك مصطلح لغوي في اللغة العربية بهذا المبنى، متوجها إلى مكان يدعى (كفر الممسوس)، اسم غريب لمكان قصي لا يظهر على خريطة (جوجل)، وبالتالي فهو مجهول تماما بمقاييس هذا العصر، والأدهى أن الطريق إليه شاق، ووعر، ومرعب أيضا ... وصف لي أحدهم الطريق بكلمات بسيطة للغاية، عليك أن تسير في الدرب الغير ممهد لعدة أميال، حتى يستحيل السير فيه بالسيارة، عندها توجه لليسار مباشرة نحو قلب الصحراء متبعا طريق القوافل، ستتبينه من آثار أقدام الإبل عليه، سيقودك هذا الطريق بعد ساعة أو اثنتين إلى صخرة عملاقة تشبه الأنف، عندها توجه يمينا موليا ظهرك إلى طريق القوافل لعدة أميال أخرى، في النهاية ستجد بئر ماء صغيرة، وفي دبرها قرية (كفر الممسوس)، ولكن ما الذي يذهب بك إلى تلك الأرض القاصية، المنعزلة!؟ سؤال ألحقه بذلك الوصف الذي جعل معدتي تتقلص من التوتر، فأجبته ببساطة:
-          إنه العمل، ذلك العمل اللعين في شركة توصيل الطرود، الذي يجبرك على الذهاب صاغرا إلى الجحيم، وأنت تحمل في يمينك طردا، وتسلمه للشيطان شخصيا، وعلى وجهك ابتسامة مداهنة، ورياء.
لم يكن عملي بهذا السوء، ففي معظم الأحيان تكون أماكن توصيل الطرود قريبة، وداخل حدود مدينتي، كان تعليقي يحمل الكثير من المبالغة، ما لم أكن أعرفه حين نطقت به، أن ما سأتعرض له لاحقا، سيجعل هذا التعليق واقعيا، وبعيدا تماما عن أي مبالغة.
لم أكن يوما ممن يجيدون تقدير الوقت، فهذا يحتاج إلى قدر من الذكاء لا أمتلكه بحال، فها هي الشمس تتوجه إلى الغروب، والظلام بدأ يرخي سدوله على الكون فيضفي كتلة، وهيبة على تلك الكثبان الرملية فيجعلها أشبه بوحوش خيالية تجثم في صبر تنتظر الانقضاض على الضحية الغافلة:
-          سحقا ... أين تلك القرية اللعينة؟... لا أرى أي أثر لها.
لقد اتبعت الوصف بدقة، أو هكذا أحسب، أيكون هذا  الرجل الذي وصف لي الطريق كعادة أبناء وطني أفتى بغير علم فألقى بي إلى تلك المجاهل في قلب الصحراء؟ أم أكون أغفلت شيئا من وصفه فقدت نفسي بنفسي إلى الضياع؟ لا أظن أنني قادر على العودة وبخاصة أن الظلام الحالك سيسود في تلك الليلة قليلة القمر لسوء الحظ، يا لحماقتي وتهوري:
-          احذر!!
صرخت بها بحدة بعد أن ظهر ذلك الشبح الأسود فجأة أمام سيارتي، أدرت المقود بسرعة، فانحرفت السيارة بقوة ناحية اليمين، ولكن ذلك لم يكن كافيا، فقد ارتطمت السيارة بذلك الشبح الأسود وألقته جانبا، واندفعت السيارة بسرعة تجاه أحد الكثبان الرملية، كنت أصرخ في جزع بعد أن فقدت السيطرة عليها تماما، قبل أن تصطدم به بقوة وترتطم رأسي بالمقود ... توقفت السيارة أخيرة بعد أن غابت مقدمتها داخل ذلك الجدار الرملي ... غامت المرئيات أمام ناظري، أشعر بدوار شديد، ولكن قبل أن أغيب عن الوعي تماما، لمحت ذلك الشبح الأسود وهو يقترب من السيارة بخطوات متأدة، وينظر لي من خلال زجاجها الأمامي المهشم ... قبل أن يختفي كل شئ وأغيب في الظلام.
***
-          أين أنا!؟ ما الذي حدث!؟
قلتها بصوت ضعيف متأوه، وقد بدأ الوعي يعود إلى تدريجيا، وإن مازالت الذاكرة معتمة تماما، فجاءني الرد بصوت خشن، غليظ، وبلكنة بدوية لم اعتدها من قبل:
-          أنت هنا في داري.
اعتدلت بسرعة لأجد نفسي في ذلك الفراش في تلك الغرفة المؤثثة بأثاث أنيق، ولكنه عتيق يغلب عليه الطابع البلدي، يجلس في مواجهتي على أحد المقاعد الوثيرة رجل مسن تبدو عليه إمارات القوة والوقار، بادرني قائلا:
-          لا تجزع ... أنت بخير، عثر عليك بعض شباب القرية هذا الصباح وجاؤوا بك إلى داري.
لم أجد فيما قاله إجابات كافية على تساؤلاتي، فأعدتها عليه:
-          أين أنا!؟ ما الذي حدث!؟
ابتسم المسن في ترفق، وأجاب بصوته الغليظ:
-          لقد تعرضت بالأمس إلى حادثة، ولكن لا تقلق لا يحمل جسدك أي إصابات شديدة، فقط بعض الرضوض والخدوش.
توقف للحظة ثم أردف:
-          وأنت هنا في داري ... أنا الشيخ (حسان) عمدة قرية (كفر الممسوس).
قلت بسرعة وقد عادت إلي ذاكرتي مرة واجدة:
-          الشيخ (حسان) ... أجل لقد كنت أحمل إليك طردا خاصا.
ابتسم الرجل، وحول بصره تجاه ركن الغرفة، فأتبعته ببصري، فلمحت ذلك الصندوق الورقي الذي يحوي داخله الطرد الذي كنت أحمله لهذا المكان، ولذلك الشخص تحديدا، كان بجواره حقيبتي الشخصية وبعض الحاجيات كانت موجودة في سيارتي، فقلت بلهفة:
-          وسيارتي كيف حالها؟
ثم تذكرت شيئا آخر فقلت بهلع:
-          وهذا الشبح الذي صدمته، هل كان إنسان أم حيوان.
أجابني الشيخ (حسان):
-          أنت لم تصدم شيئا غير تلك التلة الرملية، قد تكون تخيلت ذلك بأثر الظلام!
لم أقتنع بما قاله، فذاكرتي تحمل بعض الرؤى الباهتة عن ذلك الشبح أثناء الحادثة وبعدها، رؤى مختلطة، ضبابية تثير التوتر، ولا تبعث الراحة بالنفس، لم يترك الشيخ (حسان) الفرصة لي لاستطرد في تلك الخاطرة وهو يقول وقد اتسعت ابتسامته:
-          كما أن سيارتك بخير، بها عطل بسيط، وهي الآن بين يدي ميكانيكي القرية (شرقاوي).
-          وهل هو قادر على إضلاح ذلك العطل؟
نهض من مقعده وتوجه ناحيتي وربت على كتفي وهو يقول:
-          (شرقاوي) قادر على إصلاح أي شئ من الجرار الزراعي وحتى المكوك الفضائي.
توجه إلى ركن الغرفة وحمل الطرد الخاص به، ثم تحرك بخطوات ثقيلة ناحية باب الغرفة، لأول مرة انتبه إلى جسده الضخم وقامته العملاقة ... سألته بسرعة:
-          وهل سينتهي منها اليوم؟
التفت لي بنفس الابتسامة المترفقة، وهو يجيب:
-          سيحتاج الأمر إلى يومين، ستقضيهم بيننا معززا، مكرما.
صمت للحظة ثم أردف:
-          أما الآن فسأتركك لترتاح قليلا حتى يجهز الطعام والشراب ... فنحن أهل كرم وضيافة وأنت ضيفنا الآن.
***
بعد ساعة أرسل لي الشيخ (حسان) واحدا من الخدم ليقودني إلى المضيفة الملحقة بدار العمدة والتي أمتلأت عن آخرها بالكثير من أهل القرية الذين جاؤوا للترحيب بي، وهبوا لمصافحتي في بشاشة، وود عندما أقبلت عليهم ... بدت الدهشة على وجهي فأوضح لي الشيخ (حسان) أن قريتهم المتطرفة والبعيدة عن أي قرية أخرى لا تشهد قدوم الكثير من الضيوف، وأن قدومي إليهم واضطراري للإقامة بينهم ليوم أو يومين هو حدث جدير بالذكر، فسألته بخجل:
-          ألا يوجد وسيلة استطيع الرحيل بها، وأعود بعد أن تتنهي أعمال الإصلاح في السيارة.
لمحت الضيق على وجهه لثانية واحدة ولكنه أخفاه بسرعة خلف تلك الابتسامة التي لا تفارق وجهه إلا لمما، وهو يقول:
-          للأسف لا يوجد.
ثم أضاف وهو يقودني نحو المائدة المنتصبة في منتصف المكان والتي اكتظت عن آخرها بأطايب الطعام:
-          هيا إلى الطعام قبل أن يبرد، وبعدما تنتهي يمكننا أن نكمل حديثنا أثناء شرب الشاي.
كانوا قوما ودوين، ولطفاء بحق، كما أنهم أهل كرم أيضا، ظهر ذلك واضحا في الطعام الذي اكتظت به المائدة، والذي كلما فرغ أحد صحونه، أقبلت بسرعة واحدة من النساء المتشحات في ثيابهن الملونة فلا تبدين إلا أعينهن المكحلة، فترفع الصحن بسرعة وتضع مكانه صحنا آخر ممتلئ.
بعد الطعام جلسنا نتبادل أطراف الحديث، هؤلاء القوم فيهم شيئا نختلفا يأثر القلب بسرعة ويرفع الكلفة، ويجعلك تشعر أنك تجلس بين أهلك وقومك، كما أن الحضور كانوا جمعا من الكبار والصغار بلا تفرقة،  يستطيع أيا منهم التكلم بأريحية حين يشاء، أناس لا يحملون أي عقد، نأوا بأنفسهم عن عادات هذا العصر السلبية وأي عصر آخر، حديثهم لطيف وبسيط، وسرعان ما صرت أحفظ معظم أسماؤهم، وصرنا نتبادل الدعابات كأننا نعرف بعضنا البعض منذ دهر ... فجأة دخل ذلك الطفل القبيح إلى المكان ... كان الطفل يحمل ملامحا خشنة، وسمات غير متناسقة، له عينا عوراء، مبهتة، وحدبة بارزة تعلو ظهره ... سار بخطوات عرجاء متوجها إلى مقعد خشبي في ركن من المكان فجلس عليه وهو يحدق في بعينه الوحيدة بنظرات قاسية تخترق الروح، وتعبث بالباطن ... وفي لحظة واحدة تبدلت أحوال الحضور، وكست وجوههم ملامح القلق، والتوتر، بل والرعب أيضا كما بدا لي، واختلجت كلماتهم الودودة، المرحة، فأصبحت مقتضبة، مرتعشة، كانت عيونهم تتابع من طرف خفي ذلك الطفل القبيح ... فكرت أن أسأل الشيخ (حسان) عنه، ولكنني شعرت أن هذا يخلوا تماما من اللياقة والتهذيب ...قام لي هذا الأخير وأمسك بساعدي ليصحبني إلى خارج المكان، وهو يقول بلهجة حاول أن يجعلها ودودة ولكنها خرجت مرتعدة:
-          لن نطيل عليك اليوم ونرهقك أكثر من ذلك، سأصحبك إلى غرفتك لترتاح، فالحادثة التي تعرضت لها لم تكن هينة.
أومأت برأسي موافقا إياه، وأنا أتبعه إلى خارج المكان بعد أن سلمت على الحضور وشكرتهم على كرمهم ولطفهم، وعيناي لا تفارقان هذا الطفل القبيح الذي تجمد في مكانه وهو يتبعني بعينه الوحيدة، كعين الصقر حتى خرجت من المكان.
***
  قضيت بقية اليوم في غرفتي، جلب لي الخدم طعام العشاء والفاكهة، وكثير من أقداح الشاي والقهوة، ومر علي الشيخ (حسان) قبل النوم ليطمأن على حالي، ويسأل إذا كان لي أي طلب، فشكرته بشده على حفاوته، وكرمه ...أخبرني أنه سيصحبني في الصباح في جولة بالقرية، ثم ذهب، وتركني لأنام ... حاولت النوم ولكنني لم أفلح في أن أنال أي نصيبا منه، كنت أشعر بالأرق، وكانت أحداث اليوم السابق ومشاهده، تعبث في مخيلتي كلما حاولت النوم ... أخرجت رواية من حقيبتي، وتمددت على فراشي وأنا أفتح الرواية على تلك الصفحة المنثنية التي توقفت عندها آخر مرة، أنا أعشق قراءة الروايات البوليسية وأحملها معي دائما وأقرأ نذرا منها كلما تيسر لي ذلك، وبالذات أثناء انتظار مهام العمل، فطبيعة عملي تسمح بذلك ... فجأة سمعت صوت دقات خافتة، خجلة، على باب الغرفة، فنهضت لأفتح فلم أجد أحدا ... عدت إلى فراشي، ولكن قبل أن أصل إليه عادت الدقات الخافتة مرة أخرى، فتوجهت للباب مجددا وفتحته فلم أجد أحدا أيضا في تلك المرة، تمتمت بضيق وتوتر:
-          ما هذا العبث.
ثم التفت عائدا لأجده هناك، يجلس على فراشي ويحرك قدميه حركة طفولية عابثة، وهو يوجه لي نفس النظرات الحارقة بعينه الواحدة، وملامحه القبيحة الغير متسقة، تشكلت على وجهه ابتسامة مرعبة، زادت من قبحه، ابتسامة ذئب حاصر فريسته  ...
.. (نهاية الجزء الأول – يليه الجزء الثاني) ..